أنواع الرقابة على عقد العمل الخاص
المحامية: نسمة عبد الحق النجار
خلصنا في موضوع سابق إلى أن عقد العمل يعد إحدى صور عقد الإذعان، ولذلك فإنه قد حظي باهتمام المشرع اهتماماً لم يحظ به أي عقد، ولأنه كذلك فقد أقر المشرع العمالي للرقابة عليه ثلاثة أنواع من الرقابة تضمن وتحفظ حق العامل من الضياع والنكران في علاقة العمل باعتباره الطرف الضعيف، وأنواع الرقابة هي كالتالي:
أولاً: الرقابة الذاتية (سابقة على انعقاد العقد)
بما أن رب العمل بالغالب هو من ينفرد بصياغة بنود العقد، وهو ما يظهر جلياً من نص المادة (30) من قانون العمل والتي تنص على: (1- يعد عقد العمل الفردي المكتوب من ثلاث نسخ وتكون النسخة الأصلية للعامل ونسخة لصاحب العمل ونسخة لمكتب الوزارة المختص، وتكون النسخ موقعة من طرفي العقد، وفي حالة عدم وجود عقد مكتوب على العامل أن يثبت حقوقه بجميع طرق الٳثبات…3- يجوز للعامل أن يطلب من صاحب العمل ٳيصالاً بما أودعه لديه من وثائق أو مستندات و شهادات…5- يجب أن تكون الٳجراءات التي يقوم بها صاحب العمل تنفيذاً لنصوص العقد ثابتة بالكتابة وتسلم نسخة منها للعامل).
فإنه وبقراءة قانون العمل يتضح جليًا أن المشرع العمالي أوجب عليه عدم النزول عن الحقوق الواردة في قانون العمل باعتبارها الحد الأدنى ما يعني أنها قيد على سلطة رب العمل لتعلقها بالنظام العام، وهو ما يظهر جلياً من نص المادة (6) والتي تنص على: (تمثل الأحكام الواردة في هذا القانون الحد الأدنى لحقوق العمال وشروط العمل وحيثما وجد نظام خاص لعلاقات العمل بشروط وضمانات تطبق على العمال أفضل الأحكام الواردة في هذا القانون أو في النظام الخاص)، كما تنص المادة (7) من ذات القانون على: (تكيف علاقات العمل وفق أحكام هذا القانون بموجب الأسس التالية: 1- عدم جواز تنازل أو إبراء أية حقوق مترتبة للعمال عن عقد العمل إذا كان ذلك مخالفاً لأحكام هذا القانون. 2- سريان شروط العمل وحقوقه المحددة بهذا القانون على العمال مالم تكن قد وردت في العقد بشروط أفضل. 3- سريان جميع عقود العمل القائمة وقت صدور هذا القانون إذا كانت أصلح للعمال ولا يترتب على تجديدها الإنقاص من شروط العمل وحقوقه وحتى إن كانت لا تقل عن الحد الأدنى لشروط العمل الواردة بهذا القانون).
ثانياً: الرقابة المعاصرة لتنفيذ العقد (بعد انعقاد العقد)
وهذه الرقابة خولها القانون للمفتشين التابعين لمكتب العمل التابع لوزارة الشئون الاجتماعية والعمل، وقد نصت المادة (122) من قانون العمل بما نصه: (يجري التفتيش على جميع القطاعات وأصحاب الأعمال الذين ينطبق عليهم هذا القانون وعليهم تسهيل مهام مفتش العمل وتقديم كافة المعلومات والبيانات التي تُطلب منهم لأغراض التفتيش)، كما تنص المادة (123) من القانون ذاته على: (يختص مفتشو العمل بما يلي:
1-مراقبة مستوى تطبيق تشريعات العمل ونظمه وعقوده وكل ما يصدر عن الوزارة من قرارات …)، وتنص المادة (126) بما نصه: (يتمتع مفتشو العمل بالصلاحيات الآتية:
- دخول أماكن العمل في أي وقت من ساعات العمل والاطلاع على سير الأعمال الجارية وفحص الوثائق والعقود والسجلات المتعلقة بالعمل والتأكد من عدم وجود مخالفات لأحكام تشريعات العمل ونظمه ولوائحه)، وأحكام هذه المواد نتيجة منطقية كون مكتب العمل أوجب على صاحب العمل منحه نسخة من عقد العمل وفق المادة (30/1) الآنف ذكر نصها.
ثالثاً: الرقابة القضائية (قد تكون معاصرة لتنفيذ العقد أو عند انتهائه)
وتكون هذه الرقابة معاصرة في حال لم يتم فصل العامل من عمله أو لم يقدم استقالته، أي مازالت علاقة العمل قائمة وعقد العمل في مرحلة التنفيذ، ويكون ذلك كما لو تظلم العامل من قرار أصدره ضده رب عمله مخالفاً للقانون أو لبند من بنود العقد مع رغبته في الاستمرار في العمل.
كما لو كان التظلم من نتيجة التحقيق أو ما ترتب عنه التحقيق، فله اللجوء مباشرةً للمحكمة دون المرور بمكتب العمل خلال فترة لا تزيد على شهر من تاريخ إبلاغه بنتائج التحقيق وذلك وفق المادة (2/97) من قانون العمل النافذ والتي تنص على:(للعامل أن يتظلم من نتيجة التحقيق أو ما ترتب عنه ٳلى لجنة التحكيم المختصة (المحكمة العمالية) خلال فترة لا تزيد على شهر من تاريخ ٳبلاغه بنتائج التحقيق)، وهذا الحال في الواقع يكون بالنادر أو يكاد يكون منعدماً لخوف العامل من ردة فعل رب عمله والتي يمكن أن تتمثل بفصله عن العمل (!!)
كما قد تكون هذه الرقابة بعد انتهاء عقد العمل (وهذه الصورة هي الغالبة)، سواء بفصل العامل تعسفياً أو تقديم استقالته الفعلية أو الاستقالة الحكمية أو الاستغناء عن العامل دون مبرر وبالمخالفة لما أوجبه القانون في هذه الحالة أو نقل العامل من عمله لعمل آخر دون رضاه خاصةً وإن كان أدنى- وهذه الصورة أيدتها المحكمة العليا في عدة أحكام- أو انتهاء مدة العقد دون تجديد أو بأي صورة من صور انتهاء عقد العمل.
نعم هذه الرقابة بطبيعة الحال تأتي عندما تنتهي علاقة العمل دون حصول العامل على حقوقه القانونية وبعد أن يكون سلك طريق التدرج ما قبل مرحلة المحكمة وفق المادة (129) من قانون العمل (وهذا الحال تم الحديث عنه تفصيلاً في موضوع سابق نشر في الصحيفة)، وعند وصول النزاع للمحكمة بناءً على إحالة من مكتب العمل يخضع عقد العمل باعتباره إحدى صور عقد الإذعان للرقابة القانونية التي أقرها القانون للتعامل مع عقود الإذعان.
فقد نصت المادة (214) من القانون المدني بأنه: (إذا كان العقد قد تم بطريقة التسليم (الإذعان) لشروط تعسفية مرهقة جاز للقاضي أن يعدل هذه الشروط أو أن يعفي الطرف الذي سلم بها منها، وذلك وفقاً لما تقضي بها الشريعة والعدالة، وإذا وجد نص يدل على اعتبار الشروط التعسفية المرهقة كان باطلاً)، وقد أوضح قانون العمل بأسلوب ضمني أن عقد العمل لا يعد عقداً تعسفياً وإذعاناً إذا ما تم تطبيق المادة (6، 7) منه باعتبار ان مواد القانون لا يجوز النزول عنها كونها وردت بحدها الأدنى وما دون ذلك يعد تعسفًا وإذعانًا.
وللقاضي إسقاط حكم المادة (213) من القانون المدني على عقد العمل والتي تنص على أنه: (إذا حصل شك في عبارات العقد يفسر الشك في مصلحة المدين لأنه الطرف الملتزم، إلا في عقود الإذعان وهي التي وضع شروطها القوي على الضعيف فلا يجوز أن يكون التفسير فيها ضاراً بمصلحة الطرف المذعن (الضعيف))، والطرف المذعن والضعيف في عقد العمل هو العامل وهو ما تم التسليم به وفق القراءة في قانون العمل لهذا الموضوع والموضوع السابق المنشور في الصحيفة بعنوان: (التكييف القانوني لعقد العمل الخاص).
ولكون التكييف القانوني لعقد العمل الخاص يعد عقد إذعان، فقد وردت عدة مواد صراحةً وضمناً منحازةً للعامل وألزمت القاضي بتطبيقها ومنها المادة (792) من القانون المدني والتي تنص على: (إذا اتفق على شرط جزائي للاخلال بالامتناع عن المنافسة وبالغ فيه رب العمل لجعله وسيلة لإجبار العامل على البقاء معه مدة أطول من المدة المتفق عليها كان هذا الشرط وشرط المنافسة باطلين)، أيضاً تنص المادة (795) من القانون ذاته على: (إذا نص عقد العمل أن يكون للعامل فوق الأجر المتفق عليه أو بدلاً منه جزءاً أو نسبة من جملة الإيرادات أو الأرباح أو مقدار الإنتاج أو من قيمة ما يحقق من وفر أو ما شاكل ذلك وجب على رب العمل أن يقدم للعامل بعد كل جرد بياناً بما يستحقه مؤيداً بالمعلومات الضرورية وأن يأذن للعامل أو لشخص موثوق به يتفقان عليه أو يعينه القاضي للاطلاع على دفاتر رب العمل ومستنداته للتحقق من صحة هذا البيان).
وهاتان المادتان وردتا في الفصل السادس المعنون بـ (إيجار الأشخاص (عقد العمل)) في الفرع الأول الخاص بالأحكام العامة من القانون المدني.
ومن الأهمية بمكان التنويه أن أنواع الرقابة الآنف ذكرها يسهل تطبيقها وممارستها على عقد العمل المكتوب، ويجب على رب العمل أن تكون الإجراءات التي يقوم بها تنفيذاً لنصوص العقد ثابتةً بالكتابة وتسلم نسخة منها للعامل تطبيقاً لحكم المادة (30/5) من قانون العمل النافذ الآنف ذكرها، وفي حال كان عقد العمل غير مكتوب أو عدم تسليم رب العمل للعامل نسخة العقد الأصلية وكذا حال عدم تسليمه ٳيصالاً أو أي وثيقة تثبت تنفيذ رب العمل لعقد العمل المكتوب ووصل النزاع للمحكمة أو لم يصل بعد، ففي هذه الحالات وما شابهها لا مناص من إعمال حكم المادة (112) من قانون الإثبات النافذ والتي تنص على: (يجوز للخصم في الحالات الآتية أن يطلب إلزام خصمه بتقديم أي محرر منتج في الدعوى يكون تحت يده: أ/ اذا كان القانون يجيز مطالبته بتقديمه أو تسليمه، ب/ إذا كان مشتركاً بينه وبين خصمه ويعتبر المحرر مشتركاً على الأخص إذا كان المحرر لمصلحة الخصمين أو كان مثبتاً لالتزاماتهما وحقوقهما المتبادلة، ج/ إذا استند إليه خصمه في أي مرحلة من مراحل الدعوى) كون حكم المادة (30/1) الآنف ذكر نصها التي خولت العامل إثبات حقوقه بجميع طرق الإثبات قد يكون شاقاً على العامل وتحديداً في بعض المهن.
وبالأخير وجب التنويه أن أنواع الرقابة محل الحديث تعد رقابة قانونية كون القانون قد نظم كل نوع وفق نصوص قانونية، وبهذا القدر لم يعد يمكنني القول سوى أن أهم وأعظم رقابة هي رقابة الله التي أساسها الضمير الحي، والذي يجب على رب العمل التحلي بها لتغنيه هو وعامله عن أي رقابة أخرى.