إمكانية إعمال جزاء الانعدام المنصوص عليه في قانون المرافعات أمام القضاء الجنائي
المحامي الدكتور/ هشام قائد الشميري
تبنى المشرع اليمني في قانون المرافعات رقم (40) لسنة 2002م جزاء الانعدام الإجرائي صراحة بنص تشريعي وأفرد له عنوناً خاصاً ومستقلاً في الفصل الثامن من الباب التمهيدي ونظم أحكامه كجزاء مستقل قائم بذاته له ذاتيته الخاصة به. ويثور التساؤل حول إمكانية إعمال جزاء الانعدام المنصوص عليه في قانون المرافعات رقم (40) لسنة 2002م أمام القضاء الجنائي وما إذا كان يجوز رفع دعاوى الانعدام بشأن الأحكام الجنائية، فهل مجال إعمال جزاء الانعدام المنصوص عليه في قانون المرافعات يمتد أمام القضاء الجنائي الذي تنظمه قواعد قانون الإجراءات الجزائية أم أنه يقتصر فقط أمام القضاء المدني ولا يمتد مجال إعماله أمام القضاء الجنائي؟
تباينت آراء الفقه وأحكام القضاء بشأن إمكانية إعمال جزاء الانعدام المنصوص عليه في قانون المرافعات رقم (40) لسنة 2002م أمام القضاء الجنائي، وذلك إلى اتجاهين:
الاتجاه الأول:
ذهب جانب من الفقه إلى أن مجال إعمال جزاء الانعدام المنصوص عليه في قانون المرافعات رقم (40) لسنة 2002م لا يقتصر فقط أمام القضاء المدني، وإنما يمتد مجال إعماله أيضاً أمام القضاء الجنائي الذي تنظمه قواعد قانون الإجراءات الجزائية، ولو على حالات البطلان القانونية المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجزائية اليمني رقم (13) لسنة1994م، كحالات البطلان المنصوص عليها في المادتين (396 ،404) من قانون الإجراءات الجزائية المتعلقة بمخالفة القواعد المتعلقة بتشكيل المحكمة أو ولايتها بالحكم في الدعوى؛ وذلك إعمالاً لقواعد التفسير التي تقرر أن القانون الجديد يلغي ما ورد في القانون القديم، وقانون المرافعات الذي يُعد الشريعة العامة للقوانين الإجرائية التي منها قانون الإجراءات الجزائية يُعتبر هو القانون الجديد بالمقارنة بقانون الإجراءات الجزائية. (د.أمين عبده دهمش- المحاكمة والطعن في الاحكام في قانون الاجراءات الجزائية اليمني- دار الفكر المعاصر صنعاء- 2015م- ص171) وقد أخذت المحكمة العليا اليمنية بهذا الاتجاه في بعض أحكامها التي قضت فيها بإمكانية ورود دعاوى الانعدام والدفع به على الأحكام الجزائية التي تصدر بموجب قانون الإجراءات الجزائية وسريان أحكام وقواعد الانعدام المنصوص عليها في قانون المرافعات على الأحكام الجزائية، ونذكر من ذلك حكمها الصادر من الدائرة المدنية الهيئة
(أ) برقم (151) لسنة 1443هـ وتاريخ 6/ 3/ 2022م في الدفع بالانعدام المقيد برقم (69884) والذي تضمن في أسبابه ما لفظه: (وما تجدر الإشارة إليه أن دعوى الانعدام تتعلق بالأحكام أياً كان نوع الحكم جزائياً، أو مدنياً، أو شخصياً، أو إدارياً، والقول بخلاف ذلك لا سند له من القانون فالقانون في المادة (٥٥) مرافعات عرف الانعدام بوصف عام حيث نصت المادة المذكورة على أن (الانعدام وصف قانوني يلحق العمل القضائي ويجعله مجرداً من جميع آثاره الشرعية والقانونية) وهذا الحكم عام وقاعدة قانونية عامة ومجردة تطبق على كل عمل قضائي….).
الاتجاه الثاني:
ذهب جانب آخر من الفقه إلى أنه لا مجال لإعمال جزاء الانعدام المنصوص عليه في قانون المرافعات رقم (40) لسنة 2002م أمام القضاء الجنائي الذي تنظمه قواعد قانون الإجراءات الجزائية؛ وذلك لأن قانون الإجراءات الجزائية قد قرر المعالجة التشريعية في مواجهة حالات البطلان المطلق المناظرة لحالات الانعدام في قانون المرافعات، وبناءً على ذلك لا ينبغي مواجهة تلك الحالات بالدفع بالانعدام أو دعوى الانعدام أو الحكم بانعدامها حسبما هو مقرر في قانون المرافعات لاختلاف المعالجة لتلك الحالات بين قانون المرافعات وقانون الإجراءات.
كما أن القانون الخاص مقدم على القانون العام عند التطبيق وفقاً للقاعدة الأصولية التي تقضي بأن الخاص يقيد العام، وأن قانون الإجراءات الجزائية قانون خاص حيث تضمن الإجراءات القانونية الواجب اتباعها في المسائل الجزائية ابتداءً من ضبط الجرائم وانتهاء بتنفيذ الأحكام الجزائية، وبما أن قانون الإجراءات الجزائية قد نص على طريقة مواجهة الأحكام التي تعتريها حالات البطلان المطلق المتعلق بالنظام العام فإن الواجب العمل بالتنظيم الخاص الوارد في قانون الإجراءات الجزائية، ولا يتم تطبيق قواعد الانعدام المنصوص عليها في القانون العام وهو قانون المرافعات، لأن اللجوء إلى تطبيق نصوص قانون المرافعات لا يتم إلا إذا لم يرد نص في القانون الخاص وهو قانون الإجراءات الجزائية الذي قررت نصوصه العمل بأحكام قانون المرافعات فيما لم يرد به نص في قانون الإجراءات.
وقد أخذت المحكمة العليا اليمنية بهذا الاتجاه في بعض أحكامها التي قضت فيها بعدم إمكانية إعمال جزاء الانعدام المنصوص عليه في قانون المرافعات أمام القضاء الجنائي وعدم سريان أحكام وقواعد الانعدام المنصوص عليها في قانون المرافعات على الأحكام الجزائية التي تصدر بموجب قانون الإجراءات الجزائية، ونذكر من ذلك حكمها الصادر عن الدائرة الجزائية بتاريخ 15/11/2017م في الطعن رقم(59636) الذي ورد ضمن أسبابه ما نصه: (وبالتأمل لما ورد في أوراق القضية فقد تبين للدائرة أن الحكم المطعون فيه قد استند إلى المادة (57) مرافعات وبني منطوق الحكم عليها مع أن هذه القضية جزائية يسري عليها قانون الإجراءات الجزائية ابتداءً من تقديم الشكوى ومرحلتي التحقيق ثم رفع الدعوى الجزائية وسير المحاكمة ابتدائياً واستئنافياً وأمام المحكمة العليا فكل هذه الإجراءات تتم بمقتضى قانون الإجراءات وليس قانون المرافعات، فالمعلوم قانوناً أن قانون المرافعات يعد قانوناً عاماً بالنسبة لقانون الإجراءات الجزائية ويتعين الرجوع إلى قانون المرافعات في حال وجود نقص في قانون الإجراءات الجزائية، وبالرجوع إلى قانون الإجراءات الجزائية نجد أنه لم يتضمن نصاً صريحاً بشأن الانعدام الجزائي ولكنه وضع ما يكفي من قواعد وضمانات لمواجهة أية حالة من حالات الانعدام وذلك في المادة (397) إجراءات التي تنص على أنه (إذا كان البطلان راجعاً لعدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بكيفية رفع الدعوى الجزائية أو تشكيل المحكمة أو ولايتها بالحكم في الدعوى أو بعلانية الجلسات أو تسبيب الأحكام أو حرية الدفاع أو….أو غير ذلك مما هو متعلق بالنظام العام جاز التمسك به من جميع الأطراف في أية حالة كانت عليها الدعوى وتقضي به المحكمة من تلقاء نفسها.. الخ).
وبالتأمل لنص المادة المذكورة نجد أن جميع حالات الانعدام الواردة في المادة (57) مرافعات تندرج ضمن هذا النص الذي لم يرد على سبيل الحصر وإنما على سبيل التمثيل بدليل نص المادة (أو غير ذلك مما هو متعلق بالنظام العام)، ولذلك يتضح جلياً أن قانون الإجراءات الجزائية قد اشتمل على قواعد وأحكام لمعالجة حالات الانعدام وذلك ما يغني عن إعمال نصوص قانون المرافعات، وحيث إنه استقر قضاء هذه المحكمة على تقديم القانون الخاص في التطبيق على القانون العام فلا يجوز إهدار ما ورد في القانون الخاص لإعمال القانون العام، ومن ثم عدم جواز تطبيق الانعدام في القضايا الجزائية….). ومن ذلك أيضاً حكمها الصادر من الدائرة الجزائية في دعوى الانعدام الجزائي المقيدة برقم ( ٣٧٩١٤) بتاريخ ٢صفر ٣٣٤١هـ الموافق ٧٢/ ٢١/ ١١٠٢م الذي قضى في منطوقه عدم جواز دعوى الانعدام الأصلية لتعارض ذلك مع نظام الطعن في الأحكام والذي تضمن في أسبابه ما لفظه: (وبإمعان النظر في دعوى الانعدام يظهر جلياً أنها قد استندت إلى نصوص قانون المرافعات الواردة في الفصل الثامن الخاصة بتعريف الانعدام وأحكامه وإجراءات رفع دعواه والمبينة في المواد (٥٥-٥٨) مرافعات مع أن القضية الصادرة فيها الأحكام محل دعوى الانعدام قضية جزائية سرى ويسري عليها قانون الإجراءات الجزائية ابتداء من…، والمعلوم قانوناً أن قانون المرافعات يعتبر قانوناً عاماً بالنسبة إلى قانون الإجراءات الجزائية يتعين الرجوع إليه لسد ما يوجد من نقص في قانون الإجراءات الجزائية أو للإعانة على تنفيذ قواعده….، لما كان ذلك وبالرجوع إلى نصوص قانون الإجراءات الجزائية نجد أنه وإن لم يتضمن نصاً صريحاً بشأن انعدام الحكم الجزائي فإنه قد وضع ما يكفي من القواعد والضمانات لمواجهة أي حالة من حالات الانعدام…..، ومن كل ما سلف يظهر جلياً أن قانون الإجراءات قد اشتمل على قواعد وأحكام كافية شافية لمعالجة حالات الانعدام يغني عن الحاجة لإعمال نصوص قانون المرافعات.
كما أن تلك النصوص تقطع بعدم جواز رفع دعوى مبتدأه بانعدام وبطلان الأحكام الجزائية حيث لم ترد قاعدة في هذا الشأن وحيث إن الحال كذلك ولما كان مدعي الانعدام قد استنفد طرق الطعن بصدور الأحكام من محكمة أول درجة وثاني درجة والمحكمة العليا فقد كان عليه اتباع طريق الطعن لمصلحة القانون أو الاستشكال في التنفيذ بدلاً عن رفع دعوى الانعدام التي تفتقر للسند القانوني الذي يجيز رفعها وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أنه مع قيام قانون خاص لا يرجع إلى أحكام القانون العام إلا فيما فات القانون الخاص من الأحكام ولا يجوز إهدار القانون الخاص لإعمال القانون العام فان فيه مجافاة صريحة للغرض الذي وضع من أجله القانون الخاص).
وبدورنا نؤيد الاتجاه الأول الذي ذهب إلى إمكانية إعمال جزاء الانعدام المنصوص عليه في قانون المرافعات رقم (40) لسنة 2002م أمام القضاء الجنائي الذي ينظمه قانون الإجراءات الجزائية؛ وسندنا في ذلك الآتي:
1- إن قواعد قانون المرافعات تعد الشريعة العامة للقوانين الإجرائية التي منها قانون الإجراءات الجزائية بحيث يرجع إليها في كل ما لم يرد به نص في قانون الإجراءات الجزائية، ومن هذه القواعد قواعد الجزاء الإجرائي المقررة في قانون المرافعات منها جزاء الانعدام، وذلك إعمالاً لقواعد التفسير التي تقرر أن القانون الجديد يلغي القانون القديم وقانون المرافعات الصادر عام 2002م الذي أقر جزاء الانعدام صراحةً يُعتبر هو القانون الجديد بالمقارنة بقانون الإجراءات الجزائية الصادر عام 1994م.
2- إن عدم تصريح نصوص قانون المرافعات اليمني الملغى رقم (28) لسنة 1992م وقانون الإجراءات الجزائية رقم (13 لسنة 1994م) بجزاء الانعدام لا يعني أن القانونين المذكورين لم يعرفا جزاء الانعدام، فهو جزاء يفرضه المنطق وطبيعة الأشياء، ولا يحتاج إلى وجود نص تشريعي يقرره، وإنما يمكن استخلاصه من النظام القانوني للتشريع، فالغاية من تنظيم المشرع اليمني جزاء الانعدام في
قانون المرافعات رقم (40) 2002م لم تكن بقصد إقرار هذا الجزاء وإنما بقصد إبراز ذاتيته كجزاء إجرائي مستقل قائم بذاته له ذاتيته الخاصة به التي تميزه عن غيره من الجزاءات الإجرائية الأخرى وتنظيم أحكامه.
3- إن المادة (55 مرافعات) هي من حددت المحل الذي يرد عليه جزاء الانعدام بما قررته من أن الانعدام يرد على العمل القضائي الذي تجرد من أركان وجوده الأساسية بما تصدرته تلك المادة من عبارة: (الانعدام وصف قانوني يلحق العمل القضائي ويجعله مجرداً من جميع آثاره الشرعية والقانونية)، والمقصود بالعمل القضائي وفقاً للفقه الاجرائي هو العمل الذي يباشره القائم به بصفته القضائية بما له من سلطة قضائية طبقاً للإجراءات التي حددها القانون لحماية الحقوق عند حصول النزاع بين الأفراد الذي يستدعي تدخل القاضي لحسمه في صورة عمل قضائي يصدر عن القاضي.
وإعمالاً لعموم مصطلح (العمل القضائي) الوارد في المادة (55 مرافعات) الذي يرد عليه جزاء الانعدام فإنه يشمل كل عمل قضائي بما في ذلك الحكم القضائي أياً كان نوع الحكم جزائياً كان أو مدنياً أو شخصياً أو إدارياً).
4- إن تطبيق جزاء الانعدام على الأحكام الجزائية يتماشى مع النظام القانوني وما يقتضيه المنطق القانوني من تغليب معيار العدالة الواقعية على معيار استقرار الأحكام، فإذا كان المشرع اليمني في قانون المرافعات قد قرر جزاء الانعدام على الأحكام القضائية المدنية والتجارية والإدارية التي فقدت ركناً من أركان وجودها فإنه من باب المماثلة أن يقرر الانعدام على الأحكام الجزائية إذا تجردت من أحد أركانها الأساسية، فمن غير المتصور أن يجعل المشرع الأحكام المدنية والتجارية والإدارية منعدمة لا تتحصن بمضي المدة، بينما يجعل الأحكام الجزائية تتحصن بمضي المدة على الرغم مما يشوبها من خلل جسيم كما في حالة صدور الحكم من شخص غير ذي ولاية قضائية أو من قاض بعد زوال ولايته أو صدوره في نزاع سبق حسمه بموجب حكم قضائي قائم أو صدوره دون خصومة قضائية، فلا يعقل القول بتحصن الحكم أياً كان نوعه بفوات ميعاد الطعن المقرر للأحكام إذا لم يصدر من قاض أو صدر من قاض في نزاع خارج ولايته، ولا يستقيم القول بوجود مثل هذا الحكم أو السكوت عليه. ومن غير المنطقي القول بقصر دعوى الانعدام على الأحكام المدنية دون الجزائية، فلا يستقيم أن يكون الحكم القضائي الصادر من غير ذي ولاية أو في غير خصومة منعدماً إذا كان حكماً مدنياً وباطلاً إذا كان حكماً جزائياً، كما أنه لم يقل أحد من الفقه العربي بأن دعوى الانعدام تقتصر على الأحكام المدنية دون الجزائية، بل إن الاجتهاد القضائي العربي مستقر على أن الانعدام يطال جميع الأحكام المدنية والجزائية.
٥- إن ما يحتج به القائلون بعدم قبول الحكم الجزائي للانعدام من أن نصوص مواد قانون الإجراءات الجزائية أوردت ضمن حالات بطلان الحكم الجزائي ما يعد من أسباب الانعدام فإن هذا المبرر لا يعد مقنعاً ومردوداً عليه بأن المشرع قد أورد في قانون المرافعات ضمن حالات الطعن بالنقض والالتماس في الحكم القضائي المدني ما يعد من أسباب الانعدام وفي الوقت نفسه أجاز رفع دعوى مبتدأه بانعدام هذا الحكم. كما أن المشرع اليمني في نصوص مواد قانون الإجراءات الجزائية أورد حالات وأسباب بطلان الحكم الجزائي دونما تمييز بين الحالات والأسباب التي تؤدي إلى بطلان الحكم وتلك التي تؤدي إلى انعدامه علي الرغم من الاختلاف الجذري بين فكرة البطلان وفكرة الانعدام الذي كان من شأنه الكشف عن قصور نال من نظام البطلان وجعله غير قادر على مواجهة الحالات التي يكون فيها الحكم منعدماً.
هذا بالإضافة إلى أن القول بعدم إمكانية ورود جزاء الانعدام على الأحكام الجزائية يمثل عائقاً أمام من كان خارجاً عن الخصومة من غير أطراف الحكم في اللجوء إلى طرق الطعن التي يشترط سلوكها أن يكون الطاعن من أطراف الحكم فلم تعد من فرصة في ظل هذا النظام لمواجهة تلك الحالة، ونظراً لأن نطاق الانعدام أوسع من نطاق البطلان كانت دعوي انعدام الحكم هي الوسيلة الأكثر فاعلية لمواجهة الحالة التي يكون الحكم فيها منعدماً أي في حالة اللاحكم.
كذلك أن التمسك ببطلان الحكم الجزائي يكون بطرق الطعن المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجزائية، بخلاف الانعدام فهو لا يُعد طعناً وإنما يُعد جزاءً إجرائياً، وليس أدل على ذلك أن الخصم لا يتقيد بأي ميعاد للتمسك بالانعدام، كما أن نطاق الانعدام أوسع من نطاق البطلان حيث أن دعوي انعدام الحكم تعد هي الوسيلة الأكثر فاعلية لمواجهة الحالة التي يكون الحكم الجزائي فيها منعدماً أي في حالة اللاحكم.
6- إن نظرية البطلان لا تغني عن نظرية الانعدام، حيث لا يستطيع الخصم الطعن في الحكم الباطل إلا خلال الميعاد، كما أن تجريد الحكم من حجية الأمر المقضي يحتاج إلى نص قانوني يقرر متى يكون الحكم حائزاً أو غير حائز لها، وكذلك أن نظرية البطلان لا تغني عن نظرية الانعدام في حالة عدم القيام بالإجراء (العمل الإجرائي) أصلاً، كعدم كتابة أو توقيع الحكم مثلاً. هذا بالإضافة إلى أن الحكمة من التفرقة بين الانعدام والبطلان هو تجاهل العمل المنعدم دون ضرورة لإصدار حكم من القاضي بتقرير انعدامه، بل إن الحكم المعدوم لا يحول دون رفع دعوى من جديد بين ذات الخصوم وبذات المحل والسبب، وهو ما لا يمكن أن يتحقق في حالة الحكم الباطل بطلاناً مطلقاً. (د. وجدي راغب نظرية العمل القضائي ص405، د. أحمد فتحي سرور نظرية البطلان ص186، د. رمضان إبراهيم علام الحكم القضائي المعدوم ص17، د. محمود نجيب حسني قوة الحكم الجنائي ص131).
وليس هذا فحسب، بل إن الفقه المصري ذهب إلى أبعد من ذلك في ظل عدم تصريح المشرع المصري بجزاء الانعدام بنص قانوني قبولاً أو رفضاً، فقد ذهب إلى أنه يعتبر من حالات الانعدام الحالات التي يعدها القانون صراحة من حالات البطلان المطلق المنصوص عليها في المادة (332) من قانون الإجراءات الجنائية المصري، وهي حالة عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بتشكيل المحكمة، وحالة انتفاء ولاية المحكمة؛ مبرراً ذلك أن كلمة (البطلان) الواردة في هذه المادة تعني البطلان بمعناه الذي يحتمل إدراج الانعدام تحته، بحيث يترك للفقه تحديد حالات البطلان وحالات الانعدام دون التقيد بما يكون المشرع قد استعمله من ألفاظ. (د. مأمون سلامة الاجراءات الجنائية ص50 وما بعدها، د. رمسيس بهنام الإجراءات الجنائية ص91 وما بعدها، د. سمير محمود عالية قوة القضية المقضية ص142 وما بعدها، د. أحمد عبد الحميد الانعدام في قانون الإجراءات الجنائية ص114).
وبناءً على ما سبق فإنه بالإمكان إعمال جزاء الانعدام المنصوص عليه في قانون المرافعات رقم (40) لسنة 2002م أمام القضاء الجنائي الذي تنظمه قواعد قانون الإجراءات الجزائية، حيث يجوز رفع دعوى انعدام أو الدفع به في مواجهة الأحكام الجزائية التي تصدر بموجب قانون الإجراءات الجزائية.