مدى كفاية البصمات في إثبات الجريمة
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
البصمات وسيلة من وسائل الاثبات الحديثة لم يصرح القانون اليمني بموقفه منها ومدى كفايتها كدليل وحيد في اثبات الجريمة، ومن المعلوم أن البصمات تندرج ضمن القرائن الا إن قانون الاثبات قد تناقض في أخذه بالقرائن القاطعة فيما يتعلق بالمسائل الجنائية،ومن هنا تظهر أهمية معرفة موقف القضاء اليمني من هذه المسالة، وسيظهر ذلك من خلال التعليق على الحكم الصادر عن الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 26/7/2017م في الطعن رقم (59277)، وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم ان موظفاً عاماً قام باختلاس مبلغ من خزينة الجهة الحكومية التي يعمل فيها ثم عاد في وقت لاحق وهو وقت صلاة الجمعة حيث شاهده حارس في حوش الجهة الحكومية وبعدها تم اكتشاف سرقة المبلغ المتبقي في الخزينة، وعند وصول خبراء المعمل الجنائي قاموا برفع البصمات من الغرفة التي تمت السرقة منها فوجدوا بصمات على عرض الجدار من النافذة التي دخل منها السارق والجدران الملاصقة لها والمكيف المجاور للنافذة فوجدوا بصمات كثيرة لكف واصابع الشخص السارق الذي دخل إلى الغرفة، وبعدئذ تمت مطابقة هذه البصمات التي تم العثور عليها في مسرح الجريمة فجاءت مطابقة تماما لبصمات الموظف المتهم، واستناداً إلى ذلك فقد قضت محكمة الأموال العامة بإدانة المتهم بجريمة السرقة التعزيرية وحبسه سنة مع وقف التنفيذ والاكتفاء بالمدة التي قضاها المتهم بالحبس كعقوبة بالنسبة للحق العام واعادة المبلغ المسروق وبراءة المتهم من تهمة اختلاس المبلغ السابق على واقعة السرقة، فقامت النيابة باستئناف الحكم بالنسبة لبراءة المتهم من تهمة الاختلاس كما قام المتهم باستئناف الحكم بالنسبة لواقعة السرقة إلا أن الشعبة الاستئنافية أقرت الحكم الابتدائي، فلم يقبل المتهم بالحكم الاستئنافي فقام بالطعن فيه بالنقض غير ان الدائرة الجزائية رفضت الطعن وأقرت الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا (فقد تبين للدائرة ان الطاعن ينعي على الحكم المطعون فيه أنه اعتمد على البصمات في حين انها قرائن بسيطة وحيدة لا يجوز للقضاء الاخذ بها للحكم بإدانته وقد تبين للدائرة ان الحكم الاستئنافي المؤيد للحكم الابتدائي قد استند إلى ما ورد في تقرير المعمل الجنائي المتضمن رفع البصمات من على غلاف المكيف والجدار المقابل له في الغرفة التي تم الدخول اليها وسرقة المبلغ منها حيث تطابقت تلك البصمات مع بصمات المتهم إلى جانب قرينة تواجده يوم السرقة حال صلاة الجمعة حسبما ورد في شهادة الشاهد) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ما هو مبين في الأوجه الاتية :
الوجه الأول: اختلاف بصمات الأشخاص ومدى يقين نسبتها لصاحبها:
يذهب المختصون إلى أن بصمات الاشخاص تختلف عن بعضها اختلافاً تاماً فبصمة كل شخص تختلف تماماً عن بصمة غيره فلا تتشابه بصمات الأشخاص، فيبلغ الاختلاف بين بصمات الأشخاص في بصمة الأصابع إلى (51) اختلافا أي ان بصمة الكف أو الاصابع في الشخص تختلف عن بصمة غيره (51) مرة في حين تختلف بصمة العين (1100) مرة وبصمة الشفة (310) مرات، وتتميز البصمات بالثبات وعدم التطابق بين الأشخاص حتى لو كانوا اقارب، حتى لو كانوا اشقاء، حتى لو كانوا توائم، لان البصمة لا تتأثر بعوامل الوراثة كما انها لا تتغير منذ ان يولد الشخص حتى يموت (الطب الشرعي القضائي، د. جلال الجابري، صـ54) أي ان نسبة البصمة إلى الشخص مؤكدة بنسبة 95% اذا كانت البصمات سليمة أي انطبقت على المسطحات كاملة.
الوجه الثاني: الوضعية الشرعية والقانونية للبصمات وحجيتها:
في الشريعة الإسلامية تعد البصمات من القرائن إذا ثبتت نسبتها لصاحبها بطريقة تفيد اليقين أو الظن الغالب، وتكون حجيتها تبعاً لذلك فقد تكون يقينية أو ظنية (القرائن في الفقه الإسلامي، د. محمد نعيم ياسين صـ21). اما قانون الإثبات اليمني فلم يتناول أو يسوق إلى إن البصمات أو غيرها من وسائل الإثبات العصرية مع اهميتها وإنما تناول القرائن وذكر انواعها ويمكن تطبيق أحكام القرائن على البصمات، وعلى ذلك فان البصمات تندرج من ضمن القرائن التي يتم استنباطها من واقع الحال حسبما ورد في المادة (157) إثبات، وقد اشار قانون الإثبات إلى ان حجية القرائن متفاوتة بحسب نوعها فاذا كانت قرينة قاطعة قانونية فيجب الاخذ بها والحكم بموجبها وكذلك الحال اذا كانت قرينة قضائية قام باستنباطها القاضي من واقع الحال، اما اذا كانت قرينة بسيطة فلا تعتبر دليلا قاطعاً (انظر المواد 155 و 156 و 157 و 158) إثبات، وبناءً على ما تقدم فان البصمة ليست قرينة قانونية لان القانون لم ينص على اعتبارها كذلك مع اهميتها في الإثبات وقوتها الثبوتية حسبما سبق بيانه.
الوجه الثالث: مدى كفاية البصمات كدليل وحيد لإثبات التهمة وتوصيتنا لوزارة العدل:
لم ينص القانون اليمني بنص صريح على اعتبار البصمات قرينة قانونية، وفي هذا الشأن قرر قانون الإثبات في المادة (157)ان القرائن القاطعة القضائية تثبت بها الحقوق والأموال فقط اما الدماء والجنايات فلا، حسبما يفهم من المادة (157) إثبات التي نصت على ان (للمحكمة ان تأخذ بالقرينة القاطعة القضائية التي يمكن استنباطها من وقائع الحال وان تعتبرها دليلاً كاملاً على الواقعة المراد إثباتها في الأحوال التي يجوز فيها ذلك وهي الأموال والحقوق ويجوز للخصم ان يثبت انها غير صحيحة بالبينة القانونية) ويتناقض هذا النص تماماً مع النص السابق له وهو الفقرة (ب) من المادة (155) إثبات التي نصت على أن (ب- قرائن قاطعة قضائية: وهي ما تستنبطه المحكمة من الأمور الواقعية والمقالية التي تدل على صور الحال كخروج شخص من دار في يده سكين تقطر دماً أو مسدس أو بندقية مع وجود قتيل في تلك الدار ليس فيها غيره) فهذا النص يذكر امثلة للقرائن الجنائية القضائية القاطعة على سبيل المثال والتي يمكن ادراج البصمات ضمنها أي ان هذا النص اجاز الاعتماد على البصمة كدليل وحيد باعتبارها قرينة قاطعة في المسائل الجنائية أي في غير الاموال والحقوق حسبما ورد في المادة (157)السابق ذكرها، وربما ان المقنن كان يريد منع استعمال القرائن في إثبات الحدود الشرعية فأخطأ التعبير في المادة (157) لان الفقهاء مجمعون على عدم جواز إثبات الحدود بالقرائن ،لأنها وان كانت قاطعة إلا انها شبهات والحدود تدرا بالشبهات ولا تثبت بها (التشريع الجنائي، أ/د. عبد المؤمن شجاع الدين، صـ51) ولذلك فإننا نوصي المقنن بتعديل المادة (157) إثبات السابق ذكرها وذلك بشطب العبارة الواردة في عجز المادة التي تفيد حصر الإثبات بالقرائن القضائية القاطعة على الأموال والحقوق .
الوجه الرابع: إثبات السرقة بالبصمات وقرينة وجود المتهم بالقرب من مسرح الجريمة في الحكم محل تعليقنا:
ادرك الحكم محل تعليقنا سوء الصياغة في قانون الإثبات بالنسبة للبصمات ووضعيتها في الإثبات الجنائي وعدم وجود نص يعتبرها قرينة قانونية على النحو السابق بيانه، فمع أن الحكم قد استند إلى البصمات كدليل وحيد الا انه ساند البصمات بقرينة أخرى وهي قرينة وجود المتهم بالقرب من مسرح الجريمة قبل وقوع الجريمة بوقت يسير، كما دعم ذلك بكثرة بصمات المتهم وهي بصمات اصابعه وبصمات كفيه في اعلى الغرفة حيث تم دخوله إلى الغرفة التي توجد فيها النقود المسروقة، وفي الاخير نؤكد ان القضاء في العالم يأخذ بالبصمات كدليل وحيد للإثبات.
الوجه الخامس: توصية إلى وزارة العدل بتحديث وتطوير الباب السادس من قانون الإثبات:
الباب السادس من قانون الإثبات تناول أحكام القرائن فصياغة مواد هذا الباب قاصرة لا تستوعب ولا تستوجب للمتغيرات العصرية في مجال الإثبات فقد لاحظنا ذلك في قصور القانون بالنسبة للبصمات وهي وسيلة قديمة قياسا بالحمض النووي والمراسلات الإلكترونية والمكالمات والرسائل الهاتفية …الخ، والله اعلم.