الدفاع الشرعي من منظور القانون اليمني والشريعة الإسلامية (1-2)
لستُ مجرماً
المحامية/ نسمة عبد الحق النجار
قال تعالى:(فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) [البقرة:194].
وقال الرسول الكريم:(ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون اهله فهو شهيد) [سنن النسائي].
نص الإسلام قبل القوانين على الدفاع الشرعي كأهم صورة للإباحة، وذلك للحفاظ على حياة الناس واعراضهم واموالهم أي لرد أي اعتداء يوشك ان يتسبب في هلاكها.
فالدفاع الشرعي عند تحقق شروطه هو الذي ينتزع الصفة التجريمية للفعل ليجعل منه فعل مباح خارجاً عن الأصل الذي ينبغي ان يكون عليه الحال.
الأصل في الدفاع ان تقوم به السلطات في الدولة ولكن هذا الأصل ينتفي في حالة الدفاع الشرعي لصعوبة اللجوء إلى السلطات لوجود خطر حال يلزم المواجهة لان لو تُرك دون ذلك لتسبب بوقوع جريمة.
نصت المادة (27) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني على الدفاع الشرعي إذ جاء فيها:(تقوم حالة الدفاع الشرعي إذا واجه المدافع خطراً حالاً من جريمة على نفسه او عرضه او ماله، او نفس الغير او عرضه او ماله، وكان من المتعذر عليه الالتجاء الى السلطات العامة لاتقاء هذا الخطر في الوقت المناسب، ويجوز للمدافع عندئذ ان يدفع الخطر بما يلزم لرده، وبالوسيلة المناسبة).
ومن هذا النص يتبين لنا انه جمع كل شروط الدفاع الشرعي الذي لا يعرض صاحبه للمساءلة الجنائية، والذي اباح الدفاع الشرعي واعتبر المدافع غير مجرماً، كما جاء في نص المادة (26) ما نصه 🙁 لا جريمة إذا وقع الفعل استعمالاً لحق مقرر بمقتضى القانون او قياماً بواجب يفرضه القانون او استعمالاً لسلطة يخولها).
ولكن كيف تتحقق شروط الدفاع الشرعي؟!
حرص المشرع اليمني كما حرص غيره من المشرعين على عمل توازن بين مصلحة المعتدي والمعتدى عليه وترجيح مصلحة المعتدى عليه، لان المعتدي باعتدائه على المعتدى عليه قد أهدر حقه في الحماية ليصبح بذلك فعل المعتدى عليه (الرد على الاعتداء) مباح بعد ان كان محرماً شرعاً ومجرماً قانوناً، فهذا الاستثناء اخرجه المعتدي من الاصل باعتدائه.
وقبل الغوص في شروط الدفاع الشرعي يجب علينا ان نعلم انها وردت على سبيل ا لتدرج اي إذا لم يتحقق الشرط الاول لا يمكننا ان نسلم بتحقق الشرط الثاني وهكذا حتى نكمل البحث في جميع شروط الدفاع الشرعي لأنه (ما بني على باطل فهو باطل).
وشروط الدفاع الشرعي تضم فئتين فئة يجب ان تتحقق بفعل المعتدي وهما:( حلول الخطر وعدم مشروعية الفعل) وبتحققهما يمكننا أن نبحث في شروط الفئة الثانية والتي يجب أن تتحقق بفعل المعتدى عليه وتضم شرطين كذلك وهما: (اللزوم والتناسب).
وإذا تحققت الفئة الأولى بشروطها ولم تتحقق الفئة الثانية، فإن ذلك لا يحول دون قيام حالة الدفاع الشرعي وانما يحول دون اباحة فعل رد المعتدى عليه الموجه ضد فعل المعتدي لمخالفته للشروط وعندها يخضع ذلك لحالات التجاوز والتي سنبينها في موضعها.
ذلك كان باختصار مفهوم الدفاع الشرعي.
ولكن هل انتهى الحديث؟!
بالتأكيد لا، لأنه يجب علينا ايضاح الضوابط التي تحقق شروط الدفاع الشرعي والتي في حالة انتفائها تُنتفى الشروط وبالتالي انتفاء الدفاع الشرعي.
والحكم بوجود حالة دفاع شرعي من عدمه تختص بها محكمة الموضوع لا معقب عليها في ذلك، وهذا ما أرسته المحكمة العليا في الطعن بالنقض رقم (20508) لسنة 1425ه الموافق 2004/12/13م، والطعن بالنقض رقم (12440) لسنة1423 ه الموافق 2003/6/3م، ومبادئ أخرى تعزز السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع من خلال تحققها من توفر شروط الدفاع الشرعي من عدمه.
حلول الخطر:
وعليه فأول شرط يمكن من خلاله التنبؤ بحالة دفاع شرعي هو شرط حلول الخطر والذي يعد وضع ينذر بوشك وقوع اعتداء بوقت لا يستطيع المعتدى عليه تفاديه الا عن طريق الدفاع.
وللخطر شرطان يفهمان مما سبق وهما: ان لا يكون قد وقع الفعل -ويمكن التنبؤ بوقوع الخطر من خلال الفعل المادي للمعتدي (خاضع لتقدير محكمة الموضوع) -كذلك يجب ان لا يكون الخطر متعلقا ًبالمستقبل (ليس احتمالي) لان لو كان كذلك فإن المعتدى عليه يستطيع دفعه عبر اللجوء للسلطات العامة وطلب الحماية.
فالخطر الموجب للدفاع الشرعي هو: حالة واقعيه لها كيان مادي ومعنوي تنبئ باحتمال حدوث جريمة في حال لو تُرك المعتدي دون صد او مقاومة.
وقد يكون الخطر متتابع أي مكون من عدة أفعال صادرة من المعتدي، في هذه الحالة لا تكون حالة الدفاع الا في الخطر الذي ينطبق عليه ما سبق الحديث عنه.
ففي حالة ما إذا وقع أحدها وانتهى وكان الآخر على وشك الوقوع يتبين لنا ان في الحالة الأولى الخطر أصبح واقعاً ولم يعد حال ورد المعتدى عليه لم يعد دفاع بل انتقام لأنه كان بإمكانه اللجوء للسلطات لا ان يمارس اختصاصها في إيقاع العقوبة، اما في الحالة الثانية رد المعتدى عليه يُعد دفاع شرعي لان الخطر حال ولم يقع بعد.
ولكن قد يتوهم شخص ما وجود خطر موجه نحوه من قبل شخص آخر اي ان هذا الخطر من مخيلة وتوهم الشخص ولا اساس له في الواقع (خطر وهمي)، في هذه الحالة لا يعدو الا ان يكون غلط في الاباحة.
مع التنبيه ان المادة (28) من القانون السابق عندما أباحت الدفاع الشرعي ونصت على:(…….إذا قصد به دفع فعل يتخوف منه وقوع جريمة…)، قصدت التخوف في نتيجة الخطر لا تخوف وتوهم الخطر ذاته الذي لا يكون واقعياً بل في مخيلة المعتدي.
وعليه فإن انجرار الشخص بتصرف ضد الآخر معتقداً بأنه في حالة دفاع لخطر متوهم لا واقعياً، يكون تصرف الشخص اعتقاد خاطئ ينفي توافر القصد الجنائي وينطبق عليه الخطأ في الواقع وفق المادة (37) من قانون الجرائم والعقوبات والتي نصت على:( ينتفي القصد إذا وقع الفعل المكون للجريمة بناء على غلط في واقعة تعد عنصراً من عناصرها القانونية او في ظرف لو تحقق لكان الفعل مباحاً، على ان ذلك لا يمنع من عقاب الفاعل على ما قد تتخلف عن فعله من جريمة غير عمدية أو أية جريمة أخرى).
وقد تنفي الخطأ غير العمدي إذا كان قائم على أسباب معقولة، وهذه الأسباب تخضع لسلطة القاضي التقديرية. مثل/ لو قام محمد بتنظيف السلاح وهو مصوب تجاه احمد، وقام احمد بالاعتداء على محمد متوهماً انه في حالة دفاع لان محمد قصد قتله رغم ان محمد لم يقصد، ولكن قام احمد بتبرير فعله بأسباب معقولة ما يجعله في موقف دفاع شرعي وهذه الأسباب مثل قوله: “ان محمد سبق وهدده بالانتقام لعداوة ثأر سابقة بين قبيلته وقبيلة محمد”.
ولكن ان سقطت المسئولية الجنائية فإن المدنية (التعويض) لا تسقط.
وبعد توافر ما سبق يكون شرط الخطر الحال قد تحقق، ولكن لابد ان يكون هذا الخطر نتيجة فعل غير مشروع وهذا هو الشرط الثاني لنسلم بوجود فعل اعتداء يستوجب الرد والدفاع من قبل المعتدى عليه، وهذا الفعل غير المشروع يجب ان يكون خاضع لنص تجريم وغير خاضع لسبب اباحة كسمة بارزة مفترضة فيه.
ولكن هل استلزم المشرع ان يكون المعتدي بالغاً عاقلاً مسئولاً عما يصدر عنه من أفعال؟!
الحقيقة ان الاعتداء من عاقل ام دون ذلك يحمل نفس النتيجة الاجرامية ويلحق أذى بالمعتدى عليه، وبالتالي لا عبرة بالشخص المعتدي سواء كان مجنوناً او عاقلاً بالغاً ام طفلاً الا ان المجنون او الطفل إذا صدر منه الاعتداء فإن المسئولية الجنائية تمنع عنه، لوجود خلل في قواه الذهنية والعقلية ولقصر سن الطفل.
وقد نصت المادة (31) ما نصه:( لا يسأل جزائياً من لم يكن قد بلغ السابعة من عمره وقت ارتكاب الفعل المكون للجريمة وإذا ارتكب الحدث الذي اتم السابعة من عمره ولم يبلغ الخامسة عشر الفعل، امر القاضي بدلاً من العقوبة المقررة بتوقيع أحد التدابير المنصوصة عليها في قانون الأحداث، وإذا كان مرتكب الجريمة قد أتم الخامسة عشر ولم يبلغ الثامنة عشر حكم عليه بما لا يتجاوز نصف الحد الأقصى المقررة قانوناً……).
ونصت المادة (32) على 🙁 لا تخل الاحكام المبينة في المادة السابقة بحق المجني عليه او ورثته في الدية والارش في جميع احوالها وتكون الدية او الأرش على العاقلة وإذا لم تف فمن مال الصغير).
كما تنص المادة (33) على:( لا يسأل من يكون وقت ارتكاب الفعل عاجزاً عن إدراك طبيعته ونتائجه بسبب:
1-الجنون الدائم او المؤقت او العاهة العقلية….).
هل يقوم الدفاع الشرعي ضد من يمارس سلطته المخولة له قانوناً؟!
يجب الاخذ بالاعتبار ان الدفاع الشرعي لا يقوم ضد من يستعمل سلطة مخولة له بموجب القانون كأصل، فلا يصح مقاومة كل من يؤدي واجب مفروض عليه كمأمور الضبط القضائي المكلف بالقبض على شخص او تفتيش منزله، ولكن دون تجاوز لحدود السلطة المخولة والغرض من الاذن حتى لا نكون بصدد دفاع شرعي من قبل الشخص المطلوب القبض عليه او تفتيش منزله.
وبعد ان يتحقق ما سبق كما سبق توضيحه (شروط فعل الاعتداء) عندها نكون في حالة دفاع شرعي ولنا ان نشير بإضاءة الضوء الاخضر للبحث عن شروط فعل الرد -الدفاع الشرعي- وهما (اللزوم والتناسب).
ولكن ماهي الضوابط التي بتحققها يتحققان الشرطان السابقان ليمكننا القول بتحقق الشروط في فعل المعتدى عليه عند رد او دفع فعل المعتدي؟!
إن تحقق شروط فعل المعتدي تعد القاعدة الأساسية والمفترضة التي ترتكز عليها حالة الدفاع الشرعي وتسمح بالبحث والحديث عن شروط فعل المعتدى عليه عند صد ورد العدوان الصادر من المعتدي، وبدونها لا مجال لأي حديث عن حالة دفاع شرعي وبالتالي حالة تجاوز.
شروط الدفاع الشرعي:
1-اللزوم:
فاللزوم كأول شرط من شروط الدفاع يقصد به: ان يكون فعل الرد الصادر من المعتدى عليه هو الوسيلة المناسبة، أي انه لا يوجد وسائل اخرى لصد العدوان وحتى ان وجد فلا تكون الوسيلة اللازمة هي وسيلة وحيدة وهي التي تدفع الخطر الحال بالقدر اللازم لدفعه وما دونها من وسائل تُعد غير لازمة.
فقد نصت المادة (27) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني على شرط اللزوم اذ جاء فيها:(…. وكان من المتعذر عليه الالتجاء الى السلطات العامة لاتقاء هذا الخطر في الوقت المناسب…).
فاللزوم نتيجة منطقية لشرط حلول الخطر فانتفاء حلول الخطر ينفي شرط اللزوم اي ان شرط اللزوم يدور وجوداً وعدماً مع شرط حلول الخطر ما يجعل منهما وجهان لعملة واحدة.
ويذهب بعض الشُراح الى القول بوجود بعض الحالات التي يكون فيها الخطر حال ولكن لا تتوافر صفة اللزوم فيها، وهذه الحالات خلاصتها ان الشخص المعتدى عليه قد يستطيع التخلص من الخطر الحال بالهروب ولكنه لم يفعل فما مسئوليته؟!
يؤكد الشُراح انه ليس من العدل إلزام المعتدى عليه بالهروب وهو البريء لنحافظ على سلامة المعتدي المذنب، وهذا المسلك يتوافق مع العقل والمنطق والعدالة ولو سلمنا بغير ذلك فإننا سنفتح المجال لتمادي المعتدي باعتدائه بحجة ان الوسيلة اللازمة للمعتدى عليه كانت الهروب وعدم هروبه يعد تجاوز لحدود الدفاع الشرعي، ما يجعل المعتدي يفلت من العقاب المفترض تطبيقه عليه نتيجة اعتداءه، ولان الهروب اصلاً لن يرضى به المعتدى عليه لما يعكس من صفات الذل والجبن والخوف حتى لو وجد ما يلزمه بسلوكه.
وعليه:
إذا وجد المعتدى عليه وسيلتين لرد او دفع اعتداء المعتدي احداهما الهروب وفضل الوسيلة الاخرى، فهنا مازال المعتدى عليه في حدود الدفاع الشرعي رغم توفر وسيلة الهروب للخلاص من الخطر وذلك للأسباب السالفة الذكر.
ولكن يختلف الحال ما إذا كان المعتدي مجنوناً او طفلاً ففي هذه الحالة الهروب هو الوسيلة اللازمة لرد الخطر وعدم لجوء المعتدى عليه لها يفقده شرط اللزوم ويصبح عندها متجاوزاً لحدود الدفاع الشرعي.
وذلك لان الهروب من الطفل او المجنون لا يعكس الجبن او الذل او الخوف ولوجود خلل وقصور في عقل المعتدي ولذلك لا يتعرض للمساءلة الجنائية.
ومع ذلك قد يصبح الهروب وسيلة غير لازمة في مواجهة المعتدي المختل عقلياً وذلك في حالة ماذا كان لا يمكن دفع الاعتداء بوسيلة الهروب بل بوسيلة أخرى مناسبه، كما لو صدر الاعتداء من مجنون وضع يده على السلاح موجهاً له تجاه المعتدى عليه، فهروب المعتدى عليه لن يوقف خطر المعتدي الامر الذي يتطلب الصد او المقاومة كوسيلة لازمة وبديلة عن الهروب لدفع خطر حال يُنبئ بحدوث جريمة لو تُرك دون صد او مقاومة.
كما ان الخطر الحال قد يشتمل على مصدر مباشر ومصدر غير مباشر عندها يجب ان يوجه فعل الدفاع ضد المصدر المباشر الصادر منه الخطر الحال الحقيقي، وان وجه للمصدر غير المباشر يكون المعتدى عليه قد تجاوز حدود الدفاع الشرعي.
2-التناسب:
التناسب هو الشرط الثاني الواجب توافره في فعل الدفاع الصادر من المعتدى عليه والذي بتحققه لنا التسليم المطلق بوجود حالة الدفاع الشرعي والذي دائماً ما تقف عنده محكمة الموضوع للتحري من وجود حالة دفاع شرعي ام تم التجاور فهو الشرط الفاصل.
ومقتضى هذا الشرط ان فعل الدفاع يجب ان يكون متناسباً مع الخطر فلا بد ان يكون بالقدر الضروري لصد الخطر فإن كان اشد، فإن المدافع قد تجاوز حدود الدفاع والإباحة.
وقد تضمنت المادة (27) من القانون السابق شرط التناسب اذ جاء فيها:(.. ويجوز للمدافع عندئذ ان يدفع الخطر بما يلزم لرده وبالوسيلة المناسبة…).
ومناسبة الوسيلة لا يعني تماثلها مع وسيلة العدوان بل يجب ان تكون بالقدر المناسب واللازم لصد العدوان بدون افراط او تفريط لتتحقق الحكمة من تشريع واباحة الدفاع الشرعي.
ويراعى في ذلك ظروف كل واقعة بملابساتها لتحديد ما إذا كانت الوسيلة مناسبة ام لم تكن كذلك، ويأخذ قاضي الموضوع بالاعتبار حالة المدافع النفسية وقواه البدنية والظروف التي أحاطت به، لتحديد ما إذا كان بصدد دفاع ام تجاوز، وحتى مع تحقق الحالة الأخيرة، فإن شرطي التناسب واللزوم يتيحان للقاضي تحديد موضع ادراج فعل التجاوز لإحدى حالات التجاوز وبالتالي تطبيق العقوبة المناسبة جنائية كانت ام مدنية.
ونشير هنا ان شرط التناسب خاضع لتقدير محكمة الموضوع ماعدا الحالات الواقع الاعتداء فيها على النفس والعرض والمال والتي حددها المشرع في المادتين (28/29) من القانون السابق والذي قيد فيها من سلطة قاضي الموضوع وجعل من القتل وسيلة مناسبة لصد الاعتداء لجسامة فعل المعتدي ولغلبة الظن بلزوم وتناسب القتل في تلك الحالات بشرط توفر أسباب معقولة وقرائن قوية.
حيث نصت المادة (28) على:( لا يبيح الدفاع الشرعي القتل العمد الا إذا قصد به دفع فعل يتخوف منه وقوع جريمة من الجرائم الآتية إذا كان لهذا التخوف أسباب معقولة:
1- القتل او جراح بالغة إذا كانت الجراح على المدافع نفسه او أحد اقاربه.
2- الشروع في الزنا او اللواط بالقوة على المدافع او زوجه او اي محرم له.
3- اختطاف المدافع أو زوجه أو ولده أو أحد محارمه بالقوة أو بالتهديد بالسلاح ويؤخذ في كل صور الدفاع الشرعي بالقرائن القوية فإذا دلت على ذلك فلا قصاص ولا دية ولا أرش).
والمادة (29) على:(لا يجوز ان يبيح حق الدفاع الشرعي عن المال القتل العمد الا إذا كان مقصود به دفع أحد الأمور الآتية:
1- جرائم الحريق العمد.
2- جرائم سرقة من السرقات الجسيمة.
3- الدخول ليلاً في منزل مسكون او أحد ملحقاته).
فسلطة القاضي كما هو واضح مما سبق لا تتعدى البحث عن مدى تحقق أسباب معقولة وقرائن قوية، وعندها يكون حكمه كاشفاً وليس منشئاً.
ولكني اختلف مع المشرع كما اختلف معه شُراح القانون وعلماء الدين، ونطالب بتعديل نص المادة (28) الفقرة الثانية والتي ذهب فيها بإباحة الدفاع الشرعي عن العرض حتى لو وصل للقتل بشرط ان تكون جريمة الاعتداء على العرض واقعة على عرض المدافع او زوجته او أي محرم له، اما إذا كان في مواجهة اعتداء على عرض الغير فأباح الدفاع بشرط ان لا يصل لقتل المعتدي والا تعرض الشخص للمساءلة الجنائية!!
وهذا المسلك لم يكن صائباً وموفقاً لا شرعاً ولا قانوناً ولا حتى عقلاً او منطقاً لأنه يترك ثغرة يستغلها ضعاف النفوس عند الاعتداء على عرض الغير او أحد محارمه بل قد يستغل غياب الغير للاعتداء على محارمه، فيقدم المعتدي على فعله وهو بحوزته سلاح لتهديد كل من يستجيب لنداء استغاثة الغير او أحد محارمه.
عندها يظل المستغاث به في تردد وحيرة من امره هل يقوم بواجبه الديني الذي يحتم عليه الاستجابة لنداء الاستغاثة ام الاحجام عن ذلك خوفاً من ان يقع في تجاوز للدفاع الشرعي من وجهة نظر المشرع والذي قد يؤدي لقتل المعتدي الذي بطبيعة الحال سيقاوم وعندها سيخضع المستجيب للمساءلة الجنائية.
بل قد يلبي الشخص نداء الاستغاثة ويقصر في الدفاع عن نفسه او عرض الغير او أحد محارمه ما يؤدي لوقوعه ضحية سهلة على يد المعتدي الذي سيتمسك بنص المادة معللاً ان المعتدى عليه قد تجاوز لحدود الدفاع الشرعي محتجاً بالنص السابق، وذلك ليس عدلاً..
فكيف نحافظ على حياة المعتدي المرتكب لفعل شنيع ونلزم الغير بعدم قتله بل ونهدده بالمساءلة الجنائية عند مخالفة النص الظالم البعيد كل البعد عن الدين والعقل والمنطق والعدالة التي تقتضي اهدار دم المعتدي الذي أهدر دمه هو بنفسه باعتدائه المشين؟!
بل أنه يجب أن يكون ذلك هو الحال في بقية الحالات في المادة عند وقوعها على الغير سواء كان رجلاً او امرأة وهذا هو أصل ديننا الاسلامي الحنيف الذي أمر المسلم بأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه وامرنا بنجدة الضعيف الخائف الذي وقع فريسة لوحش بشري تجرد من كل معاني الإسلام والإنسانية، ونصر الظالم والمظلوم واجب على كل مسلم، قال عليه أفضل الصلاة والتسليم: (انصر اخاك ظالماً او مظلوماً، فقال رجل يا رسول الله إذا كان مظلوماً أفرأيت ان كان ظالماً كيف انصره؟ قال: تحجزه او تمنعه عن الظلم فذلك نصره).
ان نص المشرع كما سبق يجعل الناس في احجام عن القيام بواجبهم في النهي عن المنكر، قال تعالى:( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر …) [آل عمران: 110]، وقال أيضاً:( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن النكر وأولئك هم المفلحون) [آل عمران:140]، والأدلة الشرعية في هذا المقام كثيرة وجميعها تحمل نفس الدلالة.
ولذلك فإننا نهيب من مشرعنا تعديل نص المادة فلا يجب عليه إحباط وتثبيط الناس عن قيامهم بواجبهم الديني الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه والذي يعد من شيم العرب المسلمين.
بل والغريب كيف نص المشرع على ذلك وهو الذي نص في الدستور في المادة الثانية ما لفظه: [الإسلام دين الدولة] والثالثة ما لفظه: [الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات]؟!، ما يعني ان النص السابق يواجه بعدم الدستورية.
الى هنا نكون قد انتهينا من الحديث عن شروط فعل المعتدى عليه وعند تحققها يكون الدفاع الشرعي قد تحقق ولا يتعرض المدافع للمساءلة المدنية كالتعويض او الجنائية فلا يتوجب عليه القصاص او الدية او الارش.
ولكن تثار مسألة في غاية الأهمية:
فبطبيعة الحال ان فعل المعتدي العدواني تجاه المعتدى عليه يثير اندفاع وتهور المدافع الذي لا يفكر سوى بصد العدوان ولا يجد وقت للبحث عن التناسب واللزوم ناهيك عن احتمال جهله بهذين الشرطين لضعف الوعي القانوني في المجتمع، فيؤدي فعله ودفاعه لنتيجة لم يتوقعها.
فهل يُعد ذلك تجاوزاً حتى وان دلت ظروف الحال على عدم قصد المدافع النتيجة والتي قد تكون القتل في غير الحالات التي أجازها المشرع قصراً بتوافر أسباب معقولة وقرائن قوية؟!
كيف فسرت هذه الحالة المحكمة العُليا وهل راعت تهور واندفاع المدافع نتيجة لمباغتة المعتدي له بفعله الحال والمفاجئ ما ادى لعدم التناسب او اللزوم أم اعتبرت ذلك تجاوزاً لحدود الدفاع ما يجعل المعتدي في موقف الدفاع بعد ان كان في موقف الهجوم؟!
نصت المحكمة العليا في الطعن بالنقض رقم (407) لسنة 1421ه الموافق 2000/9/14م على مبدأ مفاده ان التهور والاندفاع من قبل المجني عليه (المعتدى عليه) لا يُعتبر مبرراً للقتل.
وهذا المبدأ يرى أكثر الشُراح انه أهدر الحكمة من الدفاع الشرعي والذي يكون المعتدى عليه في حالة اندفاع تلقائية كنتيجة طبيعية لمواجهة الخطر الحال الذي لا يفصل بين وقوعه سواء ثواني معدودات الامر الذي يؤدي لنتيجة قد لا يتوقعها المدافع الذي لا يجد الوقت لتمالك نفسه ليحرص على البحث عن الوسيلة اللازمة ومراعاة التناسب.
لذلك وتفادياً لنتيجة المبدأ السابق يلزم المعتدى عليه تمالك نفسه قدر المستطاع وله ان يستدل بقرائن قوية وظروف تساعده في تبرير تجاوزه لحدود الدفاع والاثبات بكل وسائل الاثبات أهمها شهادة الشهود، لتنطبق عليه احدى حالات التجاوز وتخفف مساءلته القانونية.
كيف يتم اثبات الدفاع الشرعي وكذلك تجاوزه ومن الملزم بالإثبات في كلا الحالتين؟!
ذهبت المحكمة العليا في الطعن الجزائي رقم (129) لسنة 1419ه الى تقرير مبدأ بشأن الدفاع الشرعي مفاده أن :(من يدعي الدفاع الشرعي هو الملزم بالإثبات).
وكذلك عملاً بالقاعدة العامة على المدعي البينة، وفي الدفاع الشرعي المدعي هو المعتدى عليه (المجني عليه)، وهو من يقع عليه عبء اثبات الدفاع الشرعي وهذا الاثبات والادعاء يهدم قرينة البراءة والتي تعد الاصل في الشخص.
ولا تقوم دعوى الدفاع الشرعي الا بعد نسبة فعل الدفاع للمدافع الذي يحاول جاهداً اثبات الدفاع ليتخلص من التهمة الموجهة اليه من قبل المعتدي(المتهم) وبالتالي التخلص من المساءلة الجنائية.
وللمدافع ان يقدم الأدلة على صدق دعواه، بعد ذلك يتوقف الأمر على قناعة قاضي الموضوع وفقاً لما عرض عليه في مجلس قضائه.
وبعد ان تثبت دعوى الدفاع التي تعد الاساس لإقامة دعوى التجاوز يكون عبء اثبات الدعوى الاخيرة على المعتدي الاصلي الذي يدعي انه أصبح معتدى عليه لتجاوز المدافع حدود الدفاع الشرعي.
وظروف كل واقعة تخضع لتقدير القاضي الموضوعي ومدى اقتناعه بأي دليل يثبت صدق الادعاء سواء في دعوى الدفاع او دعوى التجاوز، وهذا ما نصت عليه المحكمة العليا في الطعن رقم (20185) لسنة 1425ه الموافق 2004/11/29م.
وعليه:
فإننا نستنتج ان دعوى الدفاع تكون من المدافع او من يقوم مقامه بعد اتهامه بالعدوان، ودعوى التجاوز تكون من المعتدي الاصلي او من يقوم مقامه ولا تكون الا بعد الإقرار بثبوت العدوان المبرر لفعل الدفاع (دعوى الدفاع).
ولكن بعد اثبات التجاوز من قبل المعتدي الاصلي الذي أصبح معتدى عليه لتجاوز المدافع حدود الدفاع الشرعي، ما حكم هذا التجاوز وكيف نظمه المشرع اليمني؟
نصت المادة (30) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني على حالات التجاوز وحكمها صراحةً وضمناً وان كان من الافضل النص صراحةً على كل الحالات لقطع أي تأويلات.
اذ جاء في نص المادة السابقة:( إذا تجاوز الشخص بإهمال حدود الاباحة او الضرورة او الدفاع الشرعي يعاقب على هذا التجاوز إذا كان القانون يجرمه بوصفه جريمة غير عمدية).
ومسئولية المتجاوز تحدد حسب كل حالة كالتالي:
إذا كان التجاوز عمداً اي ان المعتدى عليه استغل حالة الدفاع فإن مسئوليته لن تقف عند حد الخطأ غير العمدي وظروف الواقعة تحدد ذلك.
اما إذا كان التجاوز قد وقع بسبب سوء تقدير الموقف أي لم يدرك المعتدى عليه جسامة الموقف او أدرك ولكن لم يستطع ضبط نفسه دون ان يرغب بتحقق الأثر الجسيم على المعتدي، عندها تكون مسئولية المعتدى عليه مسئولية غير عمدية وهذه الصورة تنطبق على النص السابق الذي جاء فيه (…….تجاوز بإهمال…) ولا يبرر للمعتدى عليه تهوره واندفاعه نتيجة لفعل المعتدي إذا كانت النتيجة هي القتل، وقد سبق الحديث عن ذلك واتجاه المحكمة العليا.
وأخيراً قد يقع التجاوز دون عمد ودون خطأ أي أن تصرف المعتدى عليه يتصرف أي شخص شديد الحرص، وفي هذه الحالة لا مسئولية جنائية عليه لانتفاء القصد الجنائي لعدم توفر الركن المعنوي للجريمة ولا يكون عليه الا المسئولية المدنية (التعويض) والذي يكون في الاصابات الواقعة على الاشخاص هو الديات او الاروش وفي الإصابات الواقعة على الأموال التزام بقيمتها، ويظل مع ذلك التجاوز غير مباح.
ولكن..
قد تتحقق شروط الدفاع ومع ذلك تتوفر ظروف في الواقعة فتحرف المسار الى مالا يتوقعه المعتدى عليه الذي عندها يتحول لمجرم يستوجب الحكم عليه بالقصاص ان كانت النتيجة هي قتل المعتدي.
كيف ذلك وهل يعد ذلك عدلاً؟!
يذكر كتب الشُراح ان مثل هذه الحالة قضت بها المحاكم اليمنية وذلك في حالة الخطر المتتابع، فلم تراعي المحاكم في تلك الحالة مدى توفر الخطر الحال ولم تقم له وزناً كسبب يخول الدفاع.
بل ان بعض الاحكام تنفي وجود العدوان في جانب أحد طرفي القضية إذا ما استمر وتكرر، وهذا ما يحدث في الجرائم المستمرة والمتتابعة والتي يكون فيها الاعتداء قد وقع ولكنه لا يزال مستمر ولم ينته بعد.
فمثلاً:
قضت المحكمة العليا (الدائرة الجزائية) في حكمها برقم (286) لسنة 1425/10/29ه الموافق 2004/12/11م بإقرار حكم الاعدام قصاصاً تأييداً لحكم المحكمتين الابتدائية والاستئنافية، حيث جاء في حيثياته ومنطوقه ما يلي:
الموجز:
كما تبين ان الطعن في معظم اسبابه قد انصب على مسألتين من المسائل الموضوعية وهما:
دعوى توفر حالة الدفاع الشرعي، ودعوى عدم توفر القصد الجنائي في فعل الطاعن -وهو تناقض-وهما من المسائل الموضوعية التي يختص بنظرها والفصل فيها قاضي الموضوع ولا معقب عليه.
منطوق الحكم:
أولاً: ………
ثانياً: إقرار حكم الإعدام قصاصاً من (…..) لقتله عمداً وعدواناً المجني عليه(…) الصادر من محكمة استئناف الامانة بتاريخ 1425/3/29ه الموافق 2004/5/18م في القضية الجزائية رقم (202) لسنة1424ه تأييداً لحكم محكمة أول درجة.
وقد برر أحد الشُراح خروج المحكمة بحكمها عن الأصل بقوله:
ولعل في ظروف القضية المادية ما دفع المحكمة العليا الى اصدار حكمها السابق وبالتالي لا يكون المبدأ الوارد فيها هو القاعدة وانما الاستثناء عليها.
ذلك أنه قد تتوفر حالة الدفاع الشرعي ولكن يتخلف قصد ازهاق روح المدافع ضده ومن ثم لا نكون بصدد قتل عمدي ومن ثم لا تناقض في القول بقيام حالة الدفاع الشرعي وعدم توفر قصد القتل العمد.
ومدى تحقق القصد من عدمه خاضع لتقدير قاضي الموضوع حسب ما يتولد لديه من قناعة يستمدها من ظروف القضية وما يقدمه الخصوم من أدلة.
وبالرغم من أن شروط الدفاع ذو طبيعة موضوعية الا ان اقامة ادلة الاثبات حالة الدفاع الشرعي امر صعب في كثير من الحالات ان لم يكن مستحيلاً.
فدعوى الدفاع الشرعي تثبت بكافة طرق الإثبات، فيمكن ان تثبت بالشهادة على جملة الظروف والوقائع التي تكشف عن توافر حالة الدفاع الشرعي، او الاثبات بالقرائن التي تكشف تورط الشخص المضرور (المعتدي) في اعمال ضد المدافع على نحو جعله معتدياً، وهذه القرائن تختلف من واقعة لأخرى، وكل هذه الاثباتات تتعلق بالوقائع، فما يُعد دليلاً قوياً في واقعة قد يُعد ضعيفاً في الاخرى بحسب الظروف المادية والموضوعية والزمانية والمكانيةً للواقعة.
أما إسلامياً
فقد ورد في كتب الفقه انه إذا دخل اللص بيت الرجل يريد نفسه او حريمه فدمه حلال قال في الجامع الكافي: وإذا دخل رجل دار قوم لسرقة او غير ذلك فقتله صاحب المنزل فقد بلغنا عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام في مثل هذا انه لا شيء على قاتله، ولكن ينبغي لصاحب المنزل ان يتثبت ان امكنه ذلك حتى يأسره او ينظره ما حاله، فان هو مانعه او خاف ان يبدره فقتله لا شيء عليه.
وجاء في حديث مسلم عن ابي هريرة (انه جاء رجل الى نبي الله عليه أفضل الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله: أرأيت ان جاء رجل يريد أخذ مالي؟ فقال: لا تعطه. قال: فان قاتلني؟ قال: فقاتله. قال: أرأيت إن قتلني؟، قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت ان قتلته؟ قال: فهو في النار).
وورد عن أبي قابوس بن مخارق قال: (قال رجل: يا رسول الله أرأيت رجلاً يريد يبين في مالي؟ قال: ذكره بالله. قال: أرأيت إن لم يذكر، قال: استعن بمن بحضرتك من آل فلان، قال: أرأيت إن باغتني؟ قال: قاتل حتى تحوز مالك او تكون من شهداء الآخرة).
ولذلك ذهب المفسرون ان قتل المعتدي فلا ضمان على المعتدى عليه لعدم التعدي منه، والحديث عام لقليل المال أو كثيره.
وقد ذكر عن النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم قوله 🙁 ما أخذت من اللص فهو غنيمة).
وقال رسول الرحمة: (من قتل دون دمه فهو شهيد…. الخ الحديث) بإخراج النسائي وابو داوود وصححه الترمذي واحمد وبن حبان عن سعيد بن زيد.
وفي الصحيحين ذكر المال فقط، فقد ورد عن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: (قال رسول الله عليه أفضل الصلاة والتسليم 🙁 من قتل دون ماله فهو شهيد) رواه الأربعة وصححه الترمذي.
وفي الحديث دلالة على جواز القتال والقتل.
وذكر في النجم الوهاج ان محل ذلك ان لم يجد ملجأ كحصن ونحوه او لم يستطع الهرب وإلا وجب عليه، ولم يذكر الفقهاء ما وجه الهرب وذهب قول إنه لا يجب الدفع عن المال بل يجوز للمعتدى عليه التظلم.
وقفة خاصة:
وهنا لنا وقفة خاصة مع حالة الاعتداء على المال ويجب النظر اليها من منظارين كالتالي:
الأول: إذا تم اعتداء المعتدي على المعتدى عليه في حضرته، فهنا وجب الدفاع حتى ان وصل الى القتل بعد ان يثبت عدم توفر وسيلة اخرى لدفع الاعتداء.
الثاني: إذا كان الاعتداء في غياب المعتدى عليه، فهنا وجب اللجوء الى السلطات المختصة لا ان يأخذ الفرد حقه بيده وذلك لانتهاء الخطر الحال وتحوله لخطر واقع ولكيلا تعم الفوضى والنزاعات والثأر وتزعزع النظام العام وتمزق النسيج الاجتماعي للمجتمع.
وقال علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره، فلا يجوز دفاعه عن أخذ المال ويجب الدفع عن البضع لأنه لا سبيل الى اباحته، وكذلك يجب على النفس إذا قصدها كافر لا ان قصدها مسلم، وصح ان عثمان رضي الله عنه انه منع عبيده ان يدفعوا عنه وكانوا اربعمائة وقال: من ألقى سلاحه فهو حر.
ومن وجهة نظري ان الواضح ان ادلة جور السلطان تحمل فيما دون الاعتداء على احد الكليات الخمس لأن وظيفة السلطان حمايتها وردع منتهكيها لا ان يعتدي عليها دون وجه حق ،وقد قال تعالى في كتابه :(فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) ما يعني ان الخطاب عام بل ان مسئولية السلطان اعظم كون المحافظة على الكليات الخمس هي اهم مسئولياته تجاه رعاياه بل المسئولية ذاتها، قال رسول الرحمة عليه افضل الصلاة والسلام: ( كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته) ،وان السلطان الذي ينتهك حرمات الله ولا ينصف المظلوم فإنه ليس الامام العادل الذي وجب على الرعية اتباعه والذي جعله الله اول من يستظل بظله يوم لا ظل الا ظله.
وأما القول بالتظلم للاعتداء على المال، فإن ذلك له مستند في حالة القدرة على اللجوء إلى السلطات وانتهاء فعل الخطر الحال.
فلا يعقل ان الشرع حرم اعتداء الغير بدافع ظلم المعتدى عليه الذي ليس له ارادة في الاعتداء، ويحلله إذا كان الفاعل هو السلطان، فلا يستقيم ذلك القول مع العدالة والمساواة كأهم مبادئ الشريعة الاسلامية، فكيف بقبول القانون والعقل والمنطق ذلك القول وقد حرم رب العباد الظلم على نفسه وجعله محرماً بين عباده وهو العادل في سمائه.
اما القول بوجوب الدفاع عن النفس ان قصدها كافر لا ان قصدها مسلم، فان ذلك يتعارض مع الحكمة من إباحة الدفاع الشرعي التي جاءت مطلقة دون تقييدها بديانة او جنسية المعتدي او اي فارق، وعدم الدفاع عن النفس يعرضها للهلاك، قال تعالى:( ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة) وفي هذه الآية لدليل على وجوب حماية النفس والدفاع عنها.
الدفاع الشرعي في زمن الفتن:
أما الدفاع الشرعي في زمن الفتن، فلنا وقفة مع كتب الفقه، فقد جاء عن عبد الله بن خباب رضي الله عنه قال: (سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:( تكون فتن، فكن فيها عبد الله المقتول ولاتكن القاتل) أخرجه ابن ابي خيثمة والدار قطني.
وسبب الحديث ان الخوارج دخلوا قرية فخرج عبد الله بن خباب صاحب رسول الله عليه أفضل الصلاة والتسليم ذعراً يجر رداءه، فقال: والله أرعبتموني مرتين، قالوا: أنت عبد الله بن خباب؟ قال: نعم، قالوا: هل سمعت من أبيك شيئًا تحدثنا به، قال: سمعته يحدث عن رسول الله عليه أفضل الصلاة والتسليم 🙁 أن ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فإن أدركك ذلك فكن عبد الله المقتول، قالوا: أنت سمعت هذا من أبيك، قال: نعم، وقاموا بضرب عنقه).
كذلك أُخرج الحديث بما لفظه عن الرسول الكريم 🙁 ستكون فتنة بعدي وأحداث واختلافات ،فإن استطعت ان تكون عبدالله المقتول لا القاتل فافعل )، وأخرج أحمد والترمذي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ،قال:( فإن دخل على بيتي وبسط يده ليقتلني ،قال: كن كابن آدم) ، وأخرج أحمد عن حديث ابن عمر بلفظ 🙁 ما يمنع أحدكم اذا جاء أحد يريد قتله أن يكون مثل ابني آدم القاتل في النار والمقتول في الجنة)، وفي رواية أخرى لأبي موسى الأشعري واخراج احمد وابن داوود وابن حبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( في الفتنة كسروا فيها قسيكم وأوتاركم واضربوا سيوفكم بالحجارة ،فإن دخل على أحدكم بيته ،فليكن كخير ابني آدم ).
ويحمل الحديث دلالة ترك القتال عند ظهور الفتن والتحذير من الدخول فيها.
وقال القرطبي: اختلف السلف الى عدة آراء منهم من ذهب الى القول انه: يجب الكف عن المقاتلة، وقول: بوجوب لزوم الشخص منزله، وآخر: يجب التحول من بلد الفتنة أصلاً، وقول آخر: بترك المقاتلة، وآخر: بوجوب الدفاع عن النفس والأهل والمال والمعتدى عليه معذور إن قتل أو قُتل، وهذا القول الذي اتفق معه ويتفق معه الكثيرون لأنه يستقيم مع مبادئ الاسلام والقانون والعقل والمنطق، ولقوله تعالى:( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل).
وذهب جمهور الصحابة والتابعين الى وجوب نصر الحق وقتال الباغين، وحملوا الأحاديث السابقة على من ضعف عن القتال أو قصر نظره عن معرفة الحق.
وذهب رأي بالقول: أنه إذا كان القتال بين طائفتين لا إمام لهم فالقتال حينئذٍ ممنوع.
وقال الطبري: إنكار المنكر واجب على من يقدر عليه، وعليه فمن أعان المحق أصاب ومن أعان المبطل أخطأ، وان أشكل الأمر فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها، وقيل إن النهي إنما هو في آخر الزمان حيث تكون المقاتلة لطلب الملك، وفيه دليل على أنه لا يجب الدفاع عن النفس لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: إن استطعت يدل على أنها لا تحرم المدافعة وان النهي للتنزيه لا التحريم.