دراسات وبحوث

الظروف المشددة والمخففة للعقاب

(قتل الأب لابنه أنموذجاً)

 

بقلم القاضي الدكتور/ صالح عبد الله المرفدي*

تمهيد

قد يجتمع في الجريمة الواحدة ظرف مشدد، مع عذر أو ظرف مخفف، فكيف يتم تطبيق العقوبة على الجاني، في حال تحقق هذة الحالة؟؟  وسنحاول أن نجيب على هذا الاستفسار، من خلال تناول هذة الدراسة بشكل مختصر، ومن أربعة محاور: نتناول في الأول تقسيمات ومفهوم الظروف والأعذار المشددة والمخففة للجرائم بصفة عامة، ونتطرق في المحور الثاني لموقف المشرع اليمني، ونأخذ نموذجاً لذلك جريمة قتل الأب لابنه، ونبين فيها أوجه الخلل والقصور وأسبابه، ثم نعالج في الثالث إشكالية الجمع بين العذر المخفف (م٢٣٣) والظرف المشدد (م٢٣٤) عقوبات، ونخصص الرابع لوضع بعض المقترحات المتواضعة لمعالجة جوانب القصور.

المحور الأول

المفاهيم والتقسيمات

لكي ندرس هذا المحور بشكل جلي، يجب أن نعرّف السادة القُرّاء، ماذا تعني الظروف المشددة للعقوبة؟ وما المقصود بالظروف المخففة أو الأعذار المخففة؟ مع ذكر بعض الأمثلة لتتضح الصورة، وذلك وفقاً للآتي:

– أولاً:  الظروف المشددة: هي العناصر الإضافية، التي تؤدي عند اقترانها بالجريمة، إلى تشديد العقاب، وهي إما أن تكون:

1- مذكورة نصًا في القانون: ومثالها القتل بوسيلة وحشية، أو السرقة بإكراه.

2- أو ظروف تقديرية: يستخلصها القاضي من وقائع وملابسات القضية، كتصرف الجاني السلبي بعد الجريمة، أو استغلاله لوظيفته.

– ثانياً: الظروف المخففة: وهي عناصر إضافية عند اقترانها بالجريمة، تؤدي إلى تخفيف العقاب، وهي إما أن تكون:

1- مذكورة بنص في القانون: كتنازل المجني عليه وإسقاط حقه، وما إذا كان الجاني قد عوض المجني عليه أو ورثته.

2- أو غير مذكورة في القانون: كارتكاب الجريمة لباعث شريف، أو سلوك الجاني الايجابي بعد الجريمة.

– ثالثاً: الأعذار القانونية وتنقسم إلى:

1- أعذار معفية للعقاب بنص القانون: وهي التي تشمل كل الجرائم أو أغلبها، كالمجنون المطبق، أو صغير السن عديم التمييز.

2- أو أعذار مخففة للعقاب وتنقسم إلى:

أ – أعذار عامة: كصغير السن ناقص التمييز، أو المعتوه عقلياً ناقص الوعي.

ب – وأعذار خاصة: كعذر إسقاط القصاص عن الأب في حال قتله لولده، أو الاستفزاز المتعلق بمفاجأة الزوجة بالزنا.

وفي كل الأحوال، الأعذار المعفية أو المخففة للعقاب، وكذلك الظروف المشددة أو المخففة والمذكورة جميعًا بنص القانون صراحة، يلزم القاضي الأخذ والحكم بها.. بعكس الظروف أو الأعذار التقديرية والمستخلصة من وقائع القضية وملابساتها، فيجوز للقاضي وفق سلطته التقديرية تطبيقها من عدمه.

 

المحور الثاني

موقف المشرع اليمني

سنتناول نموذج جريمة قتل الأب لابنه، وارتباطها بالظروف المشددة لجريمة القتل العمد من خلال فرعين، نستعرض في الأول النصوص القانونية، ونخصص الثاني لتأصيل وتحليل تلك النصوص:

أولاً: النصوص القانونية:

1- قتل الأصل لفرعه: مادة (٢٣٣): “إذا اعتدى الأصل على فرعه بالقتل أو الجرح، فلا قصاص، وإنما يحكم بالدية أو الأرش، ويجوز تعزير الجاني في هذه الحالة، بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات، أو بالغرامة في القتل، وبالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر أو بالغرامة في الجرح، ما لم يحصل عفو”.

2- القتل العمد: مادة( ٢٣٤):

“ويجوز أن يصل التعزير إلى الحكم بالإعدام، إذا كان الجاني معروفاً بالشر، أو ارتكب القتل بوسيلة وحشية، أو على شخصين فأكثر، أو من شخص سبق أن ارتكب قتلاً عمداً، أو توطئة لارتكاب جريمة أخرى، أو لإخفائها، أو على امرأة حامل، أو على موظف أو مكلف بخدمة عامة أثناء أو بسبب أو بمناسبة تأدية وظيفته أو خدمته، حتى لو سقط القصاص بالعفو” .

ثانياً: تأصيل وتحليل النصين:

في حقيقة الأمر، لم يتطرق المشرع اليمني، للحكم القانوني، في حالة اجتماع الظرف المشدد للعقوبة، مع الظرف أو الأعذار المخففة للعقوبة، سواءً في القسم العام، أو القسم الخاص من قانون العقوبات، وعلى سبيل المثال، كما ذكرنا حالة قيام الأب بقتل ولدين أو أكثر بالعمد..

وبالعودة الى تأصيل وتحليل النصين السابقين، نجد أن المشرع، اعتبر من حيث الأصل، عدم جواز قصاص الوالد بالابن، طبقاً لنص المادة (٢٣٣)، والتي خففت العقوبة إلى التعزير بالحبس، “وفي تقديرنا” أن هذا عذر مخفف للعقاب خاص بالأب، يستند للأصل الشرعي في الحديث المشهور: (لا يقاد والد بالولد)، لكن في نفس الوقت، يرى البعض إذا ما توافرت ظروف مشددة في قتل الأب لابنه، كأن يقتله بوسيلة وحشية، أو يقتل أكثر من ولد، أو يقتل ابنته الحامل… وبصفة عامة، اذا ما توافرت الظروف المشددة المذكورة بالفقرات الأخيرة، بصريح المادة (٢٣٤)، فإنه يستحق عقوبة الإعدام تعزيرًا.

 

المحور الثالث

إشكالية الجمع بين العذر المخفف والظروف المشدد

عند الجمع بين نص المادة (٢٣٣) والمادة (٢٣٤) يثور التساؤل، عن ماهو النص الأولى بالتطبيق، في حال اجتماع العذر المخفف مع الظرف المشدد للجريمة؟ فهل الأولى، أن يطبق العذر المخفف، ويقدم على تطبيق  الظرف المشدد، أم أن التطبيق يكون عكسياً، بحيث يغلب المشدد على العذر المخفف؟؟

– وفي تصوري المتواضع: أن الفاظ وعبارات نص المادتين (٢٣٣و ٢٣٤عقوبات)، وبحسب تأصيل وتحليل ما جاءت به المادتان من ألفاظ وعبارات، وفي حالة تحقق مثال قتل الأب تحت أي ظرف مشدد مذكور بنص (م٢٣٤)، فإن إسقاط القصاص عن الأب، مقدم على إعدامه تعزيرًا، وذلك للمبررات والحجج الشرعية والقانونية الآتية:

١ إن إسقاط القصاص عن الأب، كان مستندًا لعذر شرعي، وبنص قانوني خاص ومستقل، ذكره المشرع اليمني، أما إعدامه تعزيرًا، فقد جاء بنص عام في تشريع وضعي قانوني، يسري على جميع جرائم القتل.. والأولى تقديم النص المستند على أساس شرعي، على النص المستند على أساس تشريعي وضعي.

٢ – إن إسقاط القصاص عن الأب، جاء بنص قانوني خاص، لتلك الجريمة الخاصة، بينما التعزير إعداماً بحسب نص بالمادة (٢٣٤)، جاء بصفة عامه؛ وباعتباره يسري على جميع جرائم القتل العمد.. والنص الخاص لسقوط القصاص عن الأب، مقدم على تطبيق النص العام، الذي يقضي بجواز الإعدام تعزيرا لجميع جرائم القتل العمل، بل ومقيدًا له في نفس الوقت.

٣ اللفظ الوارد في نص إسقاط القصاص عن الأب، جاء صريحًا، قاطعًا، وجوبيًا، بقوله: (فلا قصاص)، وهذا اللفظ يفيد الوجوب لا الجواز، بعكس النص الوارد في الإعدام تعزيرًا (م٢٣٤)، الذي جاء على سبيل الجواز صراحة لا الوجوب، بقوله: (ويجوز)، والوجوب مقدم على الجواز، في حكم أصول الفقهين الشرعي والقانوني.

٤ إن ما نصت عليه المادة (٢٣٣)، يعتبر عذرًا قانونيًا مخففًا، بينما ما نصت عليه المادة (٢٣٤)، يعتبر ظرفًا قضائيًا مشددًا، وهنا يأتي التفوق والإلزام في التطبيق للعذر القانوني؛ لأنه متعلق بمبدأ المشروعية في التجريم والعقاب، ومذكور بقوة القانون، بعكس الظروف القضائية التي يخير فيها القاضي بين تطبيقها أو عدم تطبيقها.

 

الاقتراحات والتوصيات

– أولاً: ولحل هذه الإشكالية، نقترح على المشرع اليمني، أن يجمع العذر المخفف المذكور، مع الظروف المشددة في نص واحد، وذلك بالنص صراحة بالمادة (٢٣٣) بعد الفقره الأخيرة، على وجوب (لا على سبيل الجواز) الإعدام تعزيرًا على الأب، في حال قتله لابنه بوسيلة وحشية، أو قتل أكثر من ولد، أو قتل ابنته الحامل.. وبصفة عامة تذكر جميع الظروف المشددة، التي تستوجب تطبيق الإعدام تعزيرًا على الأب؛ في حال توافر إحداها، أو يمكن أن يصرّح المشرع بذلك بفقرة مختصره كالآتي: “ويجب الحكم بالإعدام تعزيرًا على الأب؛ في حال توافر إحدى الظروف المشددة المذكورة في الفقرات الأخيرة من المادة ٢٣٤”. وبذلك نكون قد سدينا الثغرة القانونية، وأدمجنا التعديل المطلوب في النص الخاص، لجريمة قتل الأب لابنه؛ لتكون القاعدة الشرعية لسقوط القصاص عن الأب لقتله ابنه، والاستثناء بوجوب إعدامه في حال توافر إحدى الظروف المشددة، جميعهم في نص وقالب قانوني واحد، لإزالة أي غموض أو شك في كيفية الجمع بين النصين السابقين، وفي نفس الوقت، تحقيقاً للعدالة المتسقة مع العقل والمنطق.

– ثانياً: وفيما يتعلق برأينا العام، حول اجتماع الظروف المشددة، مع الأعذار أو الظروف المخففة في جريمة واحدة (أيًا كانت)، نوصي المشرع اليمني، على النص صراحة في القسم العام من قانون العقوبات، بعد المادة (١٠٩) بالتحديد، والتي تتحدث عن تفريد العقاب، وذلك لوضع مبدأ أو قاعدة موحدة، تكون حلّاً لسد الثغرة القانونية، المتعلقة بكيفية تطبيق العقاب؛ في حال اجتماع الظروف المشدد، مع الأعذار أو الظروف المخففة، على أن يغلب القاضي المعايير  الآتيه بحسب الترتيب:

1- يطبق الأعذار المعفية أو المخففة للعقاب، والمذكورة بنص صريح في القانون.

2- ثم تغلب الظروف القضائية (سواء كانت مشددة أو مخففة)، بشرط أن تكون مذكورة بنص القانون، على الظروف القضائية التقديرية (مشددة أم مخففة)، والمستخلصة من قبل القاضي، من خلال ظروف وملابسات الجريمة.

3- إذا تعادلت الظروف القضائية (المذكورة بنص القانون) مشددة كانت أم مخففة أو (التقديرية) مشددة أم مخففة، يتم إسقاطها جميعاً، ويعاقب الجاني على جريمته المُجرّدة، دون الأخذ بالظروف المشددة أو المخففة.

–  وتنطوي وجهة نظرنا لهذا الترتيب، على أن العذر الذي ينص عليه القانون صراحة بالإعفاء أو التخفيف، فالمحكمة تكون ملزمة بمنح هذا العذر صفة الإلزام، أما إذا ترك القانون للقاضي الحرية بالأخذ بها، فليس من المتوجب على القاضي، أن يأخذ بهذا العذر، وبمعنى أدق، الأعذار طالما ذكرها القانون نصًا، تكون مقدمة على الظروف القضائية، سواء كانت مشددة أو مخففة. ويسري ذلك الحكم، على رجحان تطبيق الظروف المشددة أو المخففة بنص القانون، على الظروف المشددة أو المخففة التقديرية، والمستخلصة من وقائع القضية وملابساتها.

هذا تصوري واجتهادي، والله أعلم بالصواب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*دكتوراه في القانون الجنائي – جامعة عين شمس

 

 

Loading