النص في القانون على إلغاء ما يتعارض مع أحكامه
تعليق على حكم
القاضي الدكتور/ عبد المؤمن شجاع الدين*
تضمنت القوانين اليمنية وبعض القوانين العربية في نهايتها مادة تنص على أن (يلغى كل نص أو حكم يخالف هذا القانون)، ويثور جدل بين رجال القانون بشأن مدى وجاهة هذا النص، سيما إذا لم تكن هناك ديباجة للقانون تدل على القوانين ذات الصلة بالقانون الذي يرد فيه هذا النص.
ونجد أنه من المناسب الإشارة إلى هذه المسألة في سياق التعليق على الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 24-10-2010م في الطعن رقم (41284)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه (أما السبب الثالث للطعن وفحواه نعي الطاعن على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون موضحاً أن المادة (104) من قانون تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر نصت على إلغاء كل نص أو حكم يخالف أحكام هذا القانون…إلخ، والدائرة تجد: أن هذا النعي لا سند له، ذلك أن المادة المذكورة تعقبتها المادة (105) من القانون ذاته التي نصت على العمل به من تاريخ صدوره)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: معنى إلغاء النص القانوني:
إلغاء النص القانوني: هو إنهاء قوته الملزمة، فيبطل العمل به، وقد يعمد المقنن إلى إلغاء قانون بكله والاستعاضة عنه بقانون آخر لزوال الحاجة إلى تنظيم موضوع معين.
ومن المؤكد أن واضع القانون هو وحده الذي يملك حق إلغائه، فكما لا يتم إلغاء الدستور إلا من الجهة التي نص عليها وبالصورة التي عينها وعن طريق السلطة التي وضعت الدستور، فكذلك الحال بالنسبة للقانون.
ومن المتفق عليه أن القانون الأدنى مرتبة أو درجة يتقيد بالقانون الأعلى درجة ولا عكس، فالدستور يلغي القانون والقانون يلغي اللوائح والقرارات، ومن المقرر أن القانون لا يعد ملغياً بالترك والإهمال.
والإلغاء قد يكون صريحاً كما قد يكون ضمنياً، فالإلغاء الصريح يتم بالنص عليه صراحة في القانون كما هو الحال في النص القانوني الصريح الوارد في نهاية قانون تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر المشار إليه في الحكم محل تعليقنا، أما الإلغاء الضمني فصورته الشائعة هي اشتمال القانون الجديد على نص أو نصوص تتعارض مع النصوص الواردة في القانون القديم من غير أن يتضمن نصاً صريحاً على إلغاء النصوص الواردة في القانون القديم، لعدم إمكانية تطبيق قانونين متناقضين في آن واحد إلا أنه في هذا النوع من الإلغاء يجب اتفاق القانونين الحديث والقديم في الخصوص والعموم، فإذا لم يتفقا في إحدى هاتين الصفتين كان الإلغاء محدوداً، فالعام يلغيه العام وكذلك الخاص يلغيه الخاص، ولكن إذا كان اللاحق عاماً يظل العمل بالخاص قائماً فيما وضع له على أنه استثناء من العام اللاحق، وإذا كان اللاحق خاصاً ألغي من العام السابق ما جاء به وظل العمل سارياً بالباقي من العام.
الوجه الثاني: عدم جواز إلغاء القوانين والنصوص ذات الأصل الشرعي:
القوانين اليمنية بفضل الله ثم جهود علماء اليمن عبارة عن تقنين لنصوص الشريعة الإسلامية واجتهادات الفقه الإسلامي (تقنين الفقه الاسلامي، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، ص25)، ولذلك لا يجوز إلغاء القوانين أو النصوص التي أصلها مستمد من نصوص شرعية قطعية، حسبما هو مقرر في القانون المدني اليمني، وهو القانون الأساسي بعد الدستور، فقد نص القانون المدني في المادة (2) على أنه (لا يجوز إلغاء أو تعديل القوانين الشرعية في الأحوال الآتية: -1- إذا كان دليل الحكم نصاً صريحاً من الكتاب أو السنة النبوية الصحيحة لا يحتمل التأويل أو الترجيح -2- إذا كان الحكم إجماعاً)، فهذا النص القانوني صريح وصارم في عدم جواز إلغاء أو تعديل القوانين الشرعية أو النصوص القانونية التي مصدرها نص صريح من القرآن الكريم أو السنة النبوية المطهرة أو الإجماع، فمثلاً لا يجوز إلغاء النصوص القانونية الواردة في قانون الاحوال الشخصية المشتملة على تحديد أنصبة الورثة في التركات، لأن مصدر هذه النصوص هو القرآن الكريم، كما لا يجوز تعديل النص القانوني الوارد في قانون الأحوال الشخصية الذي قرر بأن: لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ، لأن أصل هذا النص حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) وغير ذلك من النصوص القانونية التي يكون أصلها نصوصاً شرعية قطعية أو مسائل أجمع عليها الفقهاء.
الوجه الثالث: جدلية النص في القانون على إلغاء أي نص يتعارض مع أحكامه:
من أهم قواعد صياغة القوانين: هي القاعدة التي يجب الالتزام بها قبل الشروع في صياغة أي قانون أو تعديله وهي: أن يتم جمع القوانين ذات الصلة أو العلاقة بالقانون الجديد المطلوب صياغته أو تعديله، وذلك بغرض الوقوف على المنظومة القانونية أو المحيط القانوني الذي سوف يتأثر بتقنين قانون جديد أو تعديل قانون قديم، كي يكون المقنن متصوراً منذ البداية النصوص القانونية القديمة حتى في القوانين الأخرى التي سوف تتأثر بتقنين نصوص جديدة، وهذا يعني بداهة أن المقنن يجب أن يكون عالماً منذ البداية بالنصوص القانونية التي سيلغيها النص القانوني الجديد، ولهذه الغاية فإنه يجب قبل صياغة أي قانون جديد أو تعديل أي قانون قديم يجب إعداد ما يسمى بديباجة القانون التي تشتمل على الدستور وكافة القوانين ذات الصلة بالتقنين الجديد، وعلى هذا الأساس فإنه يجب على المقنن أن يعلم منذ البداية النصوص التي سيلغيها القانون الجديد أو النص المعدل للقانون القديم، وعندئذ ستتم الإشارة في القانون الجديد أو التعديل إلى النص الملغي والقانون الذي ورد فيه النص الملغي، فمن غير المقبول أن يكون النص الذي ألغاه النص الجديد مجهولاً وأن يكون القانون الذي ورد فيه النص الملغي مجهولاً، لأن العلم بالقانون مفترض لدى الكافة، فلا يعذر الشخص بجهله للقانون، ومقتضى ذلك أنه يجب أن يعلم الأشخاص النص القديم الذي ألغاه القانون الجديد.(مهارات الصياغة القانونية، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، ص172).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*رئيس مجلس القضاء الاعلى- الأستاذ في كلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء.