ورود دعاوى الانعدام والدفع به على آخر عمل قضائي
المحامي الدكتور هشام قائد الشميري
قرر المشرع اليمني في نصوص قانون المرافعات انعدام العمل القضائي إذا تجرد من أحد أركانه الأساسية اللازمة لوجوده القانوني بحيث يفقد صفته كعمل قضائي ولا ينتج آثاره القانونية ويعد هو والعدم سواء، وتلك الأركان التي يترتب على تجردها جزاء الانعدام بعضها شكلية “الولاية القضائية والخصومة القضائية والشكل” وبعضها موضوعية “الإرادة والمحل والسبب”، فقد نصت المادة(56) مرافعات على أن الحكم القضائي يعتبر منعدماً إذا فقد أحد أركانه المنصوص عليها في المادة(217) من ذات القانون التي أوردت صراحة أركان الحكم القضائي الشكلية اللازمة لوجوده وأوردت ضمناً أركان الحكم الموضوعية الثلاثة “الإرادة والمحل والسبب”.
وقد أسند المشرع اليمني في تعديل قانون المرافعات لعام 2021م الاختصاص الحصري بالفصل في دعوى الانعدام والدفع به للمحكمة العليا دون غيرها من المحاكم، بينما أوجب تقديم دعوى الانعدام الأصلية أمام المحكمة مصدرة الحكم محل دعوى الانعدام وأوجب أيضاً تقديم الدفع بالانعدام أمام قاضي التنفيذ أو أمام قاضي الموضوع. غير أن هذا النص القانوني يثير إشكالية في حالة ما إذا كان الحكم المشوب بعيب الانعدام قد تم تأييده بحكم صادر من محكمة أعلى درجة، فهل ترد دعوى الانعدام والدفع به ترد على ذات الحكم المشوب بعيب الانعدام أم أنها ترد على حكم محكمة أعلى درجة المؤيد له؟
في حالة ما إذا كان الحكم المنعدم قد تم تأييده بحكم صادر من محكمة أعلى درجة فإن دعوى الانعدام ترد على الحكم الصادر من محكمة أعلى درجة المؤيد للحكم المنعدم الصادر من محكمة الدرجة الأدنى، فالانعدام يرد على آخر عمل قضائي، وعندئذ يكون من الضروري إزالة الوجود المادي ليس فحسب للحكم الصادر من محكمة الدرجة الأدنى الذي جاء مشوباً في ذاته بعيب الانعدام وإنما أيضاً للحكم الصادر من محكمة الدرجة الأعلى الذي قضى بتأييد الحكم المنعدم السابق له لورود هذا التأييد على معدوم، هذا ما استقر عليه الفقه القانوني الإجرائي [د .خيري عبدالفتاح- نظرية الانعدام الاجرائي ص128ومابعدها، ود. أحمد عبدالحميد- الانعدام في قانون الإجراءات الجنائية ص631، ود. أحمد هندي- التمسك بالبطلان ص222، ود. اسماعيل عمر -أصول المرافعات ص1202 ومابعدها، ود.هشام قائد الشميري- نظرية الانعدام الإجرائي في قانون المرافعات اليمني ص557، 626 ومابعدها] وهو ماقررته المحكمة العليا اليمنية في الكثير من أحكامها نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما قضت به في حكمها الصادر بتاريخ 24-10-2018م في دعوى الانعدام المرفوعة برقم (٦١٠٤٥) لعام ١٤٣٩ه بقولها: (كون قرار المحكمة العلیا في وجوده القانوني یظل حامياً لحكم الشعبة الاستئنافیة ومن ثم یمتنع توجيه الدعوى بالانعدام أولاً إلى الحكم الاستئنافي؛ كونه محمياً إذا فرض جواز ذلك بحكم المحكمة العلیا، وأما بتوجیه الدعوى إلى الحكم الاستئنافي أولاً وتقرر انعدامه فسوف لا یترتب على ذلك القول بانعدام حكم المحكمة العلیا وأن وجوده القانوني یظل قائماً وإن كان الحكم الاستئنافي الذي صدر بشأنه قد قضى بانعدامه وعدم وجوده قانوناً ولذلك فإن الاختصاص بمثل هذه الدعوى ینعقد للمحكمة العلیا وتوجیهها یجب أن یكون إلى المحكمة العلیا لرفع الغطاء القانوني لحكم المحكمة العلیا الحامي للحكم الاستئنافي، وإذا ثبت صحة الدعوى بانعدام الحكم الاستئنافي تحققت سلامة الدعوى بانعدام حكم المحكمة العلیا فما بني على معدوم یكون العدم حاكمه)، وما قضت به أيضاً في حكمها الصادر من الدائرة المدنية الهيئة (أ) برقم(177) لسنة 1435ه بتاريخ 23/4/2014م وحكمها الصادر من الدائرة المدنية الهيئة (أ) برقم (137) لسنة 1435ه بتاريخ 17/3/2014م بقولها: (إن الحكم لا يحصنه من دعوى الانعدام أي حكم سبقه أو لحق به…وحيث تحقق المسبب بانتفاء ركن الولاية في الحكم المدعى بانعدامه فإنه يكون قد ولد ميتاً وأن وجوده مجرد وجود مادي واقعي وآن الأوان لإزالته وما يترتب على ذلك من التقرير بانعدام كل ما تعقبه من قرارات تنفيذية)، وما قضت به كذلك في حكمها الصادر من الدائرة المدنية الهيئة (ز) بتاريخ 7/1/2009م في دعوى الانعدام المقيدة برقم (36542ك) بقولها: (ولما كان القرار التنفيذي منعدماً فإن ما بني عليه من أحكام تكون منعدمة لما قضت به المادة (301) مرافعات من أنه: “يترتب على نقض الحكم إلغاء جميع الأحكام والأعمال اللاحقة له متى كان أساساً لها أياً كانت الجهة التي أصدرتها…”). وهو ذات ما قضت به محكمة النقض السورية بقولها: (تصديق– إقرار– القرار المعدوم يُعتبر هو أيضاً معدوماً؛ لأن القرار المعدوم لا ينتج أثراً ويعتبر كأنه لم يكن) “نقض سوري الغرفة الجنائية الأولى قرار رقم (2120) لعام 2009م تاريخ 27/7/2009م مجلة المحامون السورية العددان 5- 6 لعام 2009م ص778“.
وأساس ذلك أن الأحكام القضائية الصادرة من محكمة أعلى درجة المؤيدة أو المقررة لحكم منعدم أو المستندة عليه تكون هي أيضاً منعدمة لا قيمة له، فالحكم المنعدم لا يتحصن بتقريره أو بتأييده من محكمة الدرجة الأعلى وإنما يكون حكم محكمة الدرجة الأعلى المؤيد أو المقرر له منعدماً أيضاً؛ لورود ذلك التأييد أو الإقرار أو الاستناد على معدوم لأن المبني على المعدوم يُعد معدوماً، فالأعمال الإجرائية اللاحقة للعمل الإجرائي المعيب بالانعدام تأخذ نفس السمة وتصير معيبة بالانعدام بحسبان أنها تتخذ استناداً إلى الإجراء المعيب وإلى كونها مترتبة عليه، فإذا كانت القاعدة تقضي بأن (ما بني على باطل فهو باطل) فإن انعدام الإجراء يترتب عليه من باب أولى انعدام جميع الإجراءات التي ترتبت عليه مباشرة، ومن ثم إذا كانت الأعمال الإجرائية اللاحقة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعمل الإجرائي المنعدم بأن كانت مبنية عليه أو كانت وليدة له بشكل مباشر فإنها تتأثر بانعدامه بحيث يترتب على انعدامه انعدامها لأن المبني على المعدوم يُعد معدوماً، فالحكم المبني على العمل الإجرائي المنعدم بلا شك يكون مستنداً إلى أساس وهمي ومن ثم يكون معدوماً لأن المبني على المعدوم يُعد معدوماً. وبالتالي فإن الحكم المنعدم لا يتحصن بتقريره أو بتأييده من محكمة الدرجة الأعلى وإنما يكون حكم محكمة الدرجة الأعلى المؤيد للحكم المنعدم منعدماً أيضاً؛ لأن هذا التأييد ورد على معدوم، والعدم لا يرتب أي أثر، فما تم على عدم فهو عدم، فالعمل الإجرائي المنعدم لا يرد عليه التصحيح أو الإجازة أو الإقرار لأنه غير موجود أصلا ولا يرتب أي أثر لعدم وجوده قانوناً، فهو عدم والعدم ميت لا وجود له قانوناً ولا يمكن أن ينقلب صحيحاً فلا تبعث الحياة في عمل ميت قانوناً. وهذا ما استقر عليه الفقه القانوني الإجرائي [د. أحمد ماهر زغلول -آثار إلغاء الأحكام ص338، ود. هشام قائد الشميري المرجع السابق ص482، ود. حسن علي حسين- الجزاء الإجرائي ص102، ود. غنام محمد غنام- نظرية الانعدام الإجرائي ص275،283، ود. خيري عبد الفتاح المرجع السابق ص141، 145، ود. أحمد عبد الحميد المرجع السابق ص510، ود. أحمد أبو الوفا- نظرية الدفوع ص336، 574، ود. طلعت يوسف خاطر المرجع السابق ص176] وترتيباً على ذلك يجب تقديم دعوى الانعدام الأصلية أو الدفع به أمام المحكمة الأعلى درجة مصدرة الحكم الأخير الذي قضى بتأييد الحكم المنعدم وفقاً لنص المادة (57) مرافعات المعدلة عام 2021م، وبالتالي إذا صدر الحكم المنعدم من المحكمة الاستئنافية سواءً أكان انعدامه يرجع لعيب شاب الحكم الابتدائي الذي قضى الحكم الاستئنافي بتأييده أو لعيب شاب الحكم الاستئنافي ذاته دون الحكم الابتدائي فإن المحكمة الاستئنافية مصدرة هذا الحكم هي التي يقدم أمامها دعوى انعدامه، أما إذا صدر الحكم المنعدم من محكمة النقض سواءً أكان انعدامه يرجع لعيب شاب الحكم الاستئنافي الذي قضى حكم محكمة النقض بتأييده أو لعيب شاب حكم محكمة النقض ذاته دون الحكم الاستئنافي فإن محكمة النقض مصدرة هذا الحكم هي التي يقدم أمامها دعوى انعدامه. غير أن المحكمة العليا المنوط بها الفصل في دعوى الانعدام في حالة ما إذا كان انعدام حكمها يرجع لعيب شاب حكمها ذاته دون حكم محكمة الدرجة الأدنى لا تقتصر سلطتها على تقرير انعدام حكمها بل يتعين عليها بعد أن تقرر انعدام حكمها أن تفصل في موضوع الطعن الذي فصل فيه حكمها المنعدم من جديد، بينما تقتصر سلطتها في حالة ما إذا كان انعدام حكمها يرجع لعيب شاب الحكم الصادر من محكمة الدرجة الأدنى الذي قضى حكمها بتأييده على التقرير بانعدام الحكم وإعادة القضية إلى محكمة الدرجة الأدنى للفصل في موضوعها من جديد لأنها لم تستنفذ سلطتها بالحكم المنعدم. ولذلك فإن أسباب الانعدام قد تتعلق بعيوب شابت ذات العمل القضائي الأخير محل دعوى الانعدام وقد تتعلق بعيوب شابت العمل القضائي السابق له الذي بني عليه أو الذي قضى بتأييده بما يجعل العمل الأخير منعدماً لوروده على غير محل قانوني كون أن هذا الاستناد أو التأييد قد ورد على معدوم والعدم لا يرتب أي أثر شرعي وقانوني. [د. مأمون سلامة- الإجراءات الجنائية ص365، ود. خيري عبد الفتاح المرجع السابق ص128 ومابعدها، ود. أحمد عبد الحميد المرجع السابق ص631، ود. أحمد هندي المرجع السابق ص222؛ ود. هشام الشميري المرجع السابق ص557، ص626 ومابعدها].
وبدورنا نرى
أن مسلك المشرع اليمني في المادة(57) مرافعات المعدلة عام 2021م التي أسندت الاختصاص بالفصل في دعوى الانعدام والدفع به للمحكمة العليا وحدها دون غيرها من المحاكم الأخرى محل نظر؛ ويرجع ذلك من جانب إلى أن إسناد ذلك النص المعدل الاختصاص بالفصل في جميع الدعاوى أو الدفوع المتعلقة بالانعدام للمحكمة العليا أياً كانت درجة المحكمة مصدرة الحكم المدعى بانعدامه سيشكل عبئاً كبيراً جداً على كاهل المحكمة العليا، بل إن ذلك يحتاج إلى تشكيل ما لايقل عن دائرتين للفصل في دعاوى ودفوع الانعدام من القضاة ذوي الكفاءة في هذا المجال، لاسيما أن النص المعدل قد أوجب على المحكمة العليا الفصل في دعاوى ودفوع الانعدام خلال ثلاثين يوماً، ومن جانب آخر لا صحة للمبرر الذي ابتنى عليه تعديل ذلك النص القانوني المتمثل بالقول أن النص السابق قبل التعديل الذي أسند الاختصاص بنظر الدعوى أو الدفع بالانعدام للمحكمة مصدرة الحكم المنعدم يثير إشكالية تحديد المحكمة المختصة في حالة ما إذا كان الحكم المنعدم قد تم تأييده بحكم صادر من محكمة أعلى درجة، وهذا المبرر في غير محله باعتبار أن دعوى الانعدام في مثل هذه الحالة ترد على آخر عمل قضائي وهو الحكم الصادر من محكمة أعلى درجة المؤيد للحكم المنعدم الصادر من محكمة الدرجة الأدنى؛ وذلك لأن الحكم المنعدم لا يتحصن بتقريره أو بتأييده من محكمة الدرجة الأعلى وإنما يكون حكم محكمة الدرجة الأعلى المؤيد له منعدماً أيضاً لورود هذا التأييد على معدوم، وعندئذ يكون من الضروري إزالة الوجود المادي ليس فحسب للحكم الصادر من محكمة الدرجة الأدنى الذي جاء مشوباً في ذاته بعيب الانعدام وإنما أيضاً للحكم الصادر من محكمة الدرجة الأعلى الذي قضى بتأييد الحكم المنعدم السابق له، وبالتالي ينعقد الاختصاص بنظر دعوى الانعدام للمحكمة الأعلى درجة مصدرة الحكم الأخير الذي قضى بتأييد الحكم المنعدم، لأن القول بغير ذلك يؤدي إلى نتيجة غير مقبولة تشكل إخلالاً بسلامة التنظيم القضائي وهي تعرض محكمة أدنى درجة لحكم صادر من محكمة أعلى درجة منها، والقاعدة أن القضاء لا يسلط على قضاء آخر إلا إذا كان الأول أعلى درجة من الثاني، ومن جانب ثالث أن إسناد النص السابق قبل التعديل الاختصاص بنظر الدعوى أو الدفع بالانعدام للمحكمة مصدرة الحكم المنعدم يرتكز على أن الحكم المنعدم لا يستنفذ ولاية المحكمة مصدرته ولا يرفع يد المحكمة عن الدعوى إنما تعتبر الدعوى لا تزال قائمة أمامها، وهذا يستتبع وجوب رفع دعوى الانعدام الأصلية المبتدأه أمام المحكمة مصدرة الحكم حتى إذا ما قررت الانعدام فصلت في موضوع النزاع، ومن جانب رابع أن دعوى الانعدام الأصلية ذاتها تعتبر خروجاً على القواعد العامة باعتبارها تمنح في حالات استثنائية، وأن القانون يتصور تماماً إمكانية الطعن في الحكم أمام نفس المحكمة التي أصدرته كما هو الحال في التماس إعادة النظر.