عدم قابلية العمل الإجرائي المنعدم للتصحيح أو التحويل
المحامي الدكتور: هشام قائد عبد السلام الشميري
الانعدام الذي يجرد العمل الإجرائي من وجوده القانوني ويجعله ميتاً معدوم الأثر لا يمكن الحد من آثاره كما هو الحال في البطلان، فالعمل المعدوم لا يقبل التصحيح أو التحويل؛ لأنه غير موجود أصلاً، فهو كالميت لا يقبل الشفاء، فلا تبعث الحياة في عمل ميت قانوناً.
والواقع أن العمل الإجرائي المنعدم لا يمكن تصحيحه، فلا يرد التصحيح إلا على عمل موجود قانوناً، وهذا أهم ما يميز الانعدام عن البطلان الذي يمكن تصحيحه حتى ولو كان متعلقاً بالنظام العام، ويرجع عدم إمكانية التصحيح إلى أن الانعدام يتعلق بوجود الإجراء نفسه بحيث لا يمكن تصحيحه وإنما يتعين إعادته إذا كان ذلك ممكناً، فالعوار الذي أصاب العمل المنعدم لا يتعلق بصحته فقط بحيث يمكن تصحيحه في وقت لاحق وإنما يتعلق بوجوده من الوجهة القانونية بحيث لا يمكن تصحيحه ولا يمكن رأب صدعه؛ لأنه غير موجود أصلاً، فهو كالميت لا يقبل الشفاء، فلا تبعث الحياة في عمل ميت قانوناً، فالعمل المنعدم يفقد صفته ووجوده القانوني، ولا يرتب أي أثر لعدم وجوده قانوناً، فهو عدم والعدم ميت لا وجود له قانوناً، ولا يمكن أن ينقلب صحيحاً. وهذا ما قرره المشرع اليمني صراحةً بما نصت عليه المادة (56) مرافعات من أن الانعدام إذا تعلق بحكم قضائي أياً كانت المحكمة التي أصدرته فإنه لا يكون لهذا الحكم أي أثر شرعي وقانوني، وبما نصت عليه أيضاً المادة (57) مرافعات المعدلة من عدم تقيُد دعوى الانعدام بمواعيد الطعون المنصوص عليها في القانون الذي مقتضاه عدم تحصن الحكم المنعدم مهما طال عليه الزمن.
وعلى ذلك فإن العمل المنعدم لا يلحقه أية حصانة ولا يقبل التصحيح بمرور الزمن عليه أو الحضور أو التكلم في الموضوع أو التكملة أو حجية الشيء المقضي به أو النزول عنه، فلا تلحقه أية حصانة، ولا يزول عنه عيبه بفوات ميعاد الطعن فيه، ولا يغلق بصدده أي سبيل للتمسك بانعدامه، ولا تزول حالة الانعدام بالرد على العمل المنعدم بما يدل على اعتباره صحيحاً أو القيام بأي عمل أو إجراء باعتباره كذلك؛ وأساس ذلك أن التصحيح لا يرد إلا على عمل موجود قانوناً، فإذا ورد التصحيح على عمل إجرائي منعدم فإن هذا التصحيح يُعتبر منعدماً لوروده على غير محل قانوني؛ وذلك لوروده على عدم والعدم لا يمكن أن يترتب عليه أي أثر، فما تم على عدم فهو عدم، لأن العمل المنعدم يفقد صفته ووجوده القانوني، ولا أثر له لعدم وجوده قانوناً، فهو عدم والعدم ميت لا وجود له قانوناً.
وأيضاً أن الحكم المنعدم لا يتحصن بتقريره أو بتأييده من محكمة الدرجة الأعلى، فالحكم المنعدم الصادر من محكمة الموضوع لا يتحصن بتأييده من المحكمة العليا وإنما يكون حكم محكمة الدرجة الأعلى أو حكم المحكمة العليا المؤيد للحكم المنعدم منعدماً أيضاً؛ لأن هذا التأييد ورد على معدوم والعدم لا يرتب أي أثر فما تم على عدم فهو عدم. فالحكم الصادر من محكمة الطعن المؤيد للحكم المنعدم يكون منعدماً؛ وذلك لوروده على غير محل قانوني، لأن هذا التأييد ورد على معدوم والعدم لا يرتب أي أثر. وفي هذا الصدد قضت المحكمة العليا اليمنية بقولها: (إن الحكم لا يحصنه من دعوى الانعدام أي حكم سبقه أو لحق به)، وقضت أيضاً بقولها: (ولما كان القرار التنفيذي منعدماً فإن ما بني عليه من أحكام تكون منعدمة لما قضت به المادة (301) مرافعات من أنه “يترتب على نقض الحكم إلغاء جميع الأحكام والأعمال اللاحقة له متى كان أساساً لها، أياً كانت الجهة التي أصدرتها…”)، وقضت كذلك بقولها: (وحيث تحقق المسبب بانتفاء ركن الولاية في الحكم المدعى بانعدامه فإنه يكون قد ولد ميتاً وأن وجوده مجرد وجود مادي واقعي وآن الأوان لإزالته وما يترتب على ذلك من التقرير بانعدام كل ما تعقبه من قرارات تنفيذية) “الحكم الصادر من الدائرة المدنية الهيئة (أ) برقم (177) لسنة 1435ه وتاريخ 23/4/2014م، الحكم الصادر من الدائرة المدنية الهيئة (أ) برقم (137) لسنة 1435ه وتاريخ 17/3/2014م، الحكم الصادر من الدائرة المدنية الهيئة (ز) بتاريخ 7/1/2009م في دعوى الانعدام المقيدة برقم (36542ك)”.
وكذلك أن الحكم المنعدم لا يجوز أن يكون محلاً لطلب التصحيح أو التفسير، ومن ثم لا يجوز للمحكمة أن تقرر تصحيحه أو تفسيره، لأنها ليست أمام حكم قضائي بالمعنى القانوني، وأن القرار الصادر بالتصحيح لا يحصن الحكم المعدوم؛ وذلك لأن الحكم المعدوم لا أثر له لعدم وجوده قانوناً، فلا يكتسب حجية الأمر المقضي، ولا تلحقه حصانة، ولا يسد بشأنه باب الطعن، ولا ينقلب صحيحاً بالإجازة، فهو عدم والعدم ميت لا وجود له قانوناً.
كما أن الإجراء المنعدم لا يجوز له أن يتحول إلى إجراء صحيح أقل شأناً من الإجراء الأصلي، وفي ذلك يختلف الإجراء المنعدم عن الإجراء الباطل، حيث أن الإجراء الباطل يجوز أن يتحول إلى إجراء آخر صحيح إذا توافرت فيه عناصر هذا الأخير، بينما لا يجوز تحول العمل الإجرائي المنعدم إلى إجراء آخر صحيح وإنما يتعين إعادته من جديد إن كان ذلك ممكناً؛ لأن المعدوم لا يرد عليه التحول لأنه يتم على عدم، ولأن الإجراء المنعدم لا يجوز التعويل عليه على أي وجه ولا يجوز الاستناد إليه في أي صورة وتحت أي مسمى.
غير أنه إذا كان العمل الإجرائي مكوناً من عدة أجزاء قابلة للتجزئة فإنه يمكن انتقاصه بعدم ترتيب الآثار القانونية للشق المعيب ويبقى الشق الباقي صحيحاً منتجاً لآثاره وهو ما يسمى بالانعدام الجزائي، أما إذا كانت أجزاء الحكم غير قابلة للتجزئة فإن الانعدام هنا يكون كلياً غير قابل للتجزئة يمتد إلى كافة أجزائه سواءً المعيبة أو الصحيحة. وترتيباً على ذلك يتحقق الانعدام الجزئي عند قضاء الحكم في أكثر من طلب وتعلق العيب بأحد هذه الطلبات دون غيرها، كأن يصدر الحكم خالياً من الأسباب بشأن قضائه في هذا الطلب بينما يتضمن أسباباً بشأن قضائه في باقي الطلبات، وهنا ينقض الحكم نقضاً جزئياً في هذا الجزاء من قضائه دون بقية أجزائه، ما لم تكن أجزاء الحكم غير قابلة للتجزئة فإن الانعدام هنا يكون كلياً. ويتحقق أيضاً الانعدام الجزئي عند عدم انعقاد الخصومة بالنسبة لبعض الخصوم دون البعض الآخر حيث يقتصر الانعدام على من لم تنعقد الخصومة بالنسبة له دون من انعقدت الخصومة في مواجهته، ما لم يكن موضوع الدعوى غير قابل للتجزئة أو كانت الدعوى من الدعاوى التي يوجب فيها القانون التعدد الإجباري في أطراف الرابطة الإجرائية فإن الانعدام هنا يكون كلياً غير قابل للتجزئة يمتد إلى كافة الخصوم في الدعوى سواءً من انعقدت الخصومة في مواجهته أو من لم تنعقد في مواجهته.
والله ولي الهداية والتوفيق،،،