إذا كان القضاء بخير فاليمن بخير
فاضل الهجري
يروى تاريخيا أن شارل ديجـــــــول(١٨٩٠-١٩٧٠ م ) رمـــز فـرنـسـا الحـــرة حـين دخـل بـاريـس بعد تحرير بـــلاده مــن الــغــزو الألمــاني ســـأل عــن أحــــوال الــبــلاد ومؤسساتها فأخبروه انها بأسوأ حال..
فـسـأل سـؤالـه الشهير هل القضاء بخير؟
فقالوا له: نعم.
فقال قولته المشهورة: (إذا كـــان الــقــضــاء بخـير ففرنسا بخير, فهو الدعامة الأساسية للنهوض بالدولة).
وتـروي كتب التاريخ المعاصر أن رئيس الــوزراء البريطاني ونستون تشرشل (١٨٧٤-١٩٦٥م) إبـــان الحـرب العالمية الثانية ســـأل مـسـتـشـاريـه عــن حـــال الــقــضــاء في بـــلاده بـعـد أن وصـل الاقتصاد إلى الحضيض نتيجة الحرب وما يكون من تأثيراتها على الأخلاق وعلاقات البشر.
فأجابوه أنه بخير.
فقال مقولته المشهورة أيضاً: (طالما أن القضاء والعدالة في البلد بخير فكل البلد بخير).
وقيل أن أوروبـا الغربية تجـاوزت محنتها بعد هـلاك ودمـار إبان الحرب العالمية الثانية بوجود ( سلطة قضائية أجمع زعماء أوروبـــا أنهـا سـلـطـة مـسـتـقـلـة) قـــادرة عـلـى اسـتـنـهـاض المجتـمـع المدمَّر.
فـأنـت حــين تمـــارس الــعــدالــة عـلـى الأرض ٍ كــقــاض ويـشـعـر المواطن أنه بين كفتي ميزان العدالة برقابة أمينة تعيد الحق المغتصب إلى صاحبه فأنت تكون على طريق الإنسان الصحيح والوطن الحصين.
ومن هنا كان مشروع إعادة إعمار ما دمرته الحرب العالمية الثانية في كلا البلدين مكملا لواقع العدالة والقضاء المستقل.
فمن خلال ما سبق نلاحظ أن ديحول وتشرشل تناسيا كل ما كان موجوداً من خراب ودمار ومن فساد في الأجهزة الإدارية وتخلف في الاقتصاد وركزا فقط على القضاء.
فمن خلال جودة القضاء أعلنا أن بريطانيا وفرنسا بخير رغم ما رتبته الحرب العالمية تجاه بلديهما.
وطبعا تشرشل وديجول كانا محقين تماماً في مقولتيهما، لأن أساس تقدم أي دولة هو وجود قضاء عادل ومستقل لا تمتد له يد الدولة من أجل التلاعب بحقوق الناس.
قضاء لا تمتد له يد الأغنياء من أجل أخذ الحكم الذي يناسبهم بحق الفقراء ولا يعرف المحسوبية.
قضاء ينصف المظلوم ويعطي لذي الحق حقه ولديه رقابة صارمة لا ترحم من تسول له نفسه الإخلال بالنظام حتى وإن كان من رجال القضاء وفي درجاته العالية.
وبمثل هذا القضاء تنهض الدول والمجتمعات مهما واجهت من حروب وكوارث، فالقضاء حين يكون بخير سينتشلها من الركود والانهيار.
بدورنا ونحن في هذه الظروف العدوانية التي تفوق طغيان وبشاعة الحربين العالميتين الأولى والثانية نتمنى على قيادتنا القضائية ورجال القضاء وموظفي أجهزة القضاء أن يستشرفوا دورهم الوطني في حماية اليمن وأن يكون لهم شرف التصدي لكل ما أنتجته جرائم العدوان في حق وطننا وذلك من خلال سلطة قضاء تهتم بالانتصاف للمظلوم مهما كان ضعيفاً وفقيراً، وترد الظالم مهما كان جباراً وغنياً ومهما تعالت مكانته المجتمعية فليس هناك من هو فوق القانون وليس هناك من هو أقوى من الحق، وأن يكونوا الضامنين لتدعيم دولة المؤسسات، ودولة المواطنة والقانون المتساوية.
وأننا نأمل أن تظل عبارة “إذا كان القضاء بخير فالبلد بخير” حلقة في آذانهم وأن يكونوا مدركين لما يقع على عاتقهم من مسئولية دينية ووطنية وقانونية تجاه هذا الوطن الذي يواجه أقسى وأبشع عدوان شهده التاريخ الإنساني.
ولنتذكر جميعاً أنه عندما يكون قضاؤنا بخير فاليمن بخير..