القضاء المستعجل
“لن يضيع حقك الثابت لك ظاهراً “، هكذا خاطب المشرع المدعي لحق يخشى زواله ومصلحة يخشى فواتها وضرر يتعذر تداركه لو سلك طريق الدعاوى الموضوعية العادية، مطمئنة في الوقت ذاته أنه شُرّع القضاء المستعجل لهكذا حالات دون المساس بأصل الحق.
ان القضاء ضرورة لاستمرار الحياة واستقرار التعاملات بين الناس ، فهو الفيصل لكل نزاع قد ينشب في المجتمع وبدونه ستصبح الحياة أشبه بحلبة مصارعة لن تكون الغلبة الا للأقوى والذي غالباً مايكون هو الظالم ، وحتى لاتصبح الحياة كذلك وحرصاً على استتاب الامن في المجتمعات في كل الأحوال لم يقتصر الأمر على القضاء الموضوعي فحسب، بل شُرع القضاء المستعجل والذي لايمس اصل الحق الذي ينظمه القضاء الموضوعي ، وقد تناول المشرع اليمني القضاء المستعجل حاله حال مشرعي الدول الأخرى ، وذلك في الفصل الرابع من قانون المرافعات.
الحديث سيكون مختصراً عن القضاء المستعجل، وللمزيد الرجوع لقانون المرافعات وكتب الشرح، والذي لم يتردد مؤلفيها عن الحديث عنه وتخصيص جزئية معينة لتوضيحه كنتيجة منطقية لإفراد قانون المرافعات جزئية خاصة للحديث عنه.
تعريف القضاء المستعجل
هو حكم مؤقت بتدبير وقتي او تحفظي يصدر في المسائل المستعجلة التي يخشى عليها من فوات الوقت دون التعرض لأصل الحق كما عرفته المادة(238) من قانون المرافعات .
كما يعرف بأنه: الحماية المستعجلة التي نظمها القضاء وفقاً للإجراءات المحددة قانوناً.
أيضاً يُعرف بأنه: حكم بتدبير وقتي أي له حجية مؤقتة وهو حكم واجب النفاذ الفوري من واقع مسودته ولا يحتاج إلى اتباع مقدمات التنفيذ ، ويجب على قاضي التنفيذ تنفيذ الحكم المستعجل فوراً، وذلك وفق المادة (243) من قانون المرافعات.
المقصود بالتدبير التحفظي والتدبير الوقتي
التدبير التحفظي: وسيلة للحفاظ على الحق او دليله مستقبلاً.
التدبير الوقتي: تلبية فورية لمصلحة المدعي .
تعريف الدعوى المستعجلة
هي دعوى تحمل حقوقاً ومصالح لاتقبل التأخير، ويترتب على نظرها باجراءت الدعوى العادية (الموضوعية) ضرر وخطر بالغين، نظمها القانون باجراءات تضمن للمدعي الحفاظ أو الحصول على حقه الظاهر المدعى به بشكل مؤقت.
كيفية كتابة الدعوى المستعجلة
تكتب كحال أي عريضة؛ تحتوي على وقائع، وأسانيد شرعية وقانونية ، وطلبات، أي كحال اي دعوى موضوعية، ويجب ان تستوفي ماتطلبه القانون في المادة ( 104) من قانون المرافعات ويفهم ذلك من الفقرة (أ) من المادة (6) ، وذلك عندما نصت على:( 6 – ….وهل يطلبها بصفة مستعجلة أم عادية.. ).
كيفية رفع الدعوى المستعجلة او الطلب المستعجل
ترفع الدعوى االمستعجلة بالاجراءات المعتادة لرفع الدعاوى الموضوعية اذا قدمت بصفة مستقلة ، وباجراءات الطلبات العارضة اذا قدمت بصفة تبعية لخصومة موضوعية منظورة امام القضاء ، وذلك وفق المادة (241) مرافعات نافذ.
ميعاد الإعلان والحضور في الدعوى المستعجلة
– ميعاد الإعلان
يتم إعلان المدعى عليه بعريضة الدعوى المستعجلة خلال أربع وعشرين ساعة يجوز إنقاصها الى ساعتين ، ويكون الإعلان بواسطة محضر المحكمة او عن طريق السلطة العامة ، وفق المادة (241) من قانون المرافعات المعدل نافذ ، بعد أن كان ينص قبل التعديل على جواز الإنقاص ساعة إلى ساعة، كما يجوز الزيادة كما هو عليه العمل القضائي واقعاً وان لم ينص القانون، وذلك كما في حال رفع دعوى مستعجلة أصلية تطالب الأم لأطفالها القصر نفقة من والدهم ، فالموطن في النفقات يكون موطن الأم كونها واليه على اطفالها القصر وفق المادتين (74،97) من قانون المرافعات، وقد يكون في هذه الحالة موطن الأب ( المدعى عليه) في مكان يبعد عن موطن الأم مايستلزم الزيادة عن ميعاد (24 ) ساعة وذلك ليتسنى اعلان الأب ومن ثم السير في اجراءات القضية المستعجلة.
– ميعاد الحضور الى المحكمة لعقد الجلسة الأولى
يكون الحضور خلال(24) ساعة ويجوز انقاصها وفق المادتين (241،3/109) ، ويشترط إعلان أمر الإنقاص لشخص المدعى عليه كل ذلك مع تحقق المصلحة .
وللقاضي الزيادة كما في الحالة السابقة وهو ماكان يُفترض من المشرع ان ينص عليه أي كان لابد منه اعطاء القاضي سلطة الزيادة كحال النقصان وذلك لإختلاف ظروف كل قضية عن الأخرى ولتكون كل الإجراءات لها سندها القانوني لا التطبيق الواقعي ، وتتجلى حكمة المشرع من مسألة الانقاص وجعلها سلطة تقديرية للقاضي ، في أنه لاخلاف أن جميع الدعاوى المستعجلة يخشى فيها وقوع الضرر وفوات الوقت ولكن معيار الخشية يختلف من قضية مستعجلة لأخرى.
المسائل التي ينطبق عليها القضاء المستعجل
حددها المشرع في المادة (239) من قانون المرافعات بالمسائل المدنية والتجارية والأحوال الشخصية، ويفهم من ذلك ان المسائل الادارية والجنائية وغيرهالايتصور وجود فيها دعاوى مستعجلة، فلا خشية من وقوع ضرر او فوات حق او مصلحة فيها، ولايتصور ان تناقش تلك المسائل الا موضوعاً اي بالمساس بأصل الحق وهو ما لا يتفق مع الحكمة من تشريع القضاء المستعجل وما يستوجبه من شروط.
مكان نظر الدعوى المستعجلة
تنظر الدعوى المستعجلة في المحكمة، وللقاضي عند الضرورة القصوى والتي تخضع لسلطته نظرها خارج المحكمة وذلك وفق المادة (241) من قانون المرافعات.
ومؤكد أن المشرع قصد بالحالة الأخيرة هو في اوقات غير دوام وتواجد القاضي في المحكمة، فمثلاً : اكتشاف المدعي الدائن ان المدعى عليه مدينه عازم على السفر دون عودة، او ان المدعى عليه اعتدى على مال للمدعي فمثل هذه الحالات انتظار تواجد القاضي في المحكمة ينطوي على اضرار بالغة لايمكن تداركها وفوات حق اومصلحة ان لم ينظرها القاضي على الفور.
حجية الحكم الصادر في الأمور المستعجلة وكيفية زوالها
يحوز الحكم المستعجل حجية مؤقتة تزول بزوال أسبابه ، او بحكم جديد في دعوى مستعجلة جديدة، او صدور حكم في الموضوع ، وذلك وفق المادة ( 245) من قانون المرافعات .
مثال للحالة الاولى:
تم اصدار حكم بمنع المدعى عليه من السفر لسماع شهادته بحق للمدعي او لكونه مدين للمدعي ، ولكن تبين ان المدعى عليه لن يسافر وانما توهم ذلك المدعي او نتيجة انباء خاطئة وردت الى مسامعه.
مثال للحالة الثانية:
تم رفع دعوى مستعجلة للمطالبة بنفقة الاب لأولاده وتم تحديدها، ثم تم رفع دعوى مستعجلة اخرى للمطالبة بتعديل النفقة لزيادة راتب الاب او لقدوم عيد الفطر او عيد الاضحى ، وذلك خلال نظر قضية موضوعية .
مثال للحالة الثالثة:
تم تقديم طلب مستعجل للمطالبة بحجز تحفظي تبعاً لدعوى أصلية موضوعية منظورة امام المحكمة للفصل في اموال متنازع عليها ، وبعد صدور الحكم في الاموال المتنازعة فإن الحجز التحفظي يزول وينتهي.
الطعن في الحكم الابتدائي الصادر في الدعوى المستعجلة
للمحكوم عليه الطعن بالاستئناف خلال(8) ايام تبدأ من تاريخ النطق بالحكم ،وتفصل محكمة الاستئناف فيه خلال(8) ايام على الأكثر سواء كانت رفعت الدعوى المستعجلة امام الابتدائية تبعاً لدعوى أصلية او استقلالاً ، ولايؤثر الاستئناف على نفاذ الحكم بقوة القانون حتى لو طلب الخصم الوقف استناداً للمادة ( 244) من قانون المرافعات.
معضلة قانونية تركها المشرع دون تنظيم
لم يحدد المشرع مدى امكانية الطعن في الحكم المستعجل بالنقض امام العليا واكتفى بالنص على الطعن بالإستئناف ، لذلك من وجهة نظري أرى انه لا مجال للتسليم في القضاء المستعجل بقاعدة مالم يرد تنظيمه بالخاص يرجع للقواعد العامة ، لأن لو تم التسليم بذلك لصادرنا الحكمة من تشريع القضاء المستعجل والذي بطبيعته لا يحتمل التأخير ناهيك على أن الحكم هو حكم مؤقت وليس دائم او فاصل في موضوع الحق وبالتالي لاضرر يُخشى على المراكز القانونية للخصوم ،وأعزز قولي ذلك أن القضاء المستعجل تظهر أهميته بشكل بارز في العطلة القضائية والمحكمة العليا لايوجد بها عمل، ولأن لو تم اخضاع الحكم المستعجل للقواعد العامة في الطعن فإن المدة طويلة ، قد يقول قائل انه في كلا الأحوال ان الحكم المستعجل واجب النفاذ من مسودته ولا يترتب الطعن فيه على ايقافه بل قد يفرض القاضي كفالة لتنفيذه، أرد على ذلك القول بأن الواقع يحكي عدم الالتزام بالمواعيد المحددة قانوناً لسير القضية المستعجلة على الرغم من قصرها ابتداء عند رفعها ومروراً بنطق حكمها وامكانية الطعن بالإستئناف وانتهاءً بتنفيذ الحكم ، لذلك وعملاً بروح النص القانوني والحكمة من تشريع القضاء المستعجل فإنه يجب تفسير سكوت المشرع بعدم الجواز حتى وان كنا سنخرج عن قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة مالم يرد نص يحرم، كما أن الواقع يحكي عدم وجود طعن بالنقض أمام العليا في احكام مستعجلة .
القاضي المختص بنظر الدعوى المستعجلة
يختلف القاضي المختص وذلك كنتيجة منطقية لتسليمنا بالاختصاص النوعي للدعاوى المستعجلة ونفصل ذلك كالتالي:
1- رفع الدعوى المستعجلة بصفة اصلية:
يكون الاختصاص لرئيس المحكمة الابتدائية او القاضي المختص وفق المادتين (244،4/109) من قانون المرافعات .
2- رفع الدعوى المستعجلة تبعاً لدعوى أصلية :
يكون الاختصاص لقاضي المحكمة التي تنظر الدعوى الأصلية سواء الابتدائية او الاستئناف ، وفق المادتين سالفتي الذكر.
3– رفع الدعوى في منازعات التنفيذ الوقتية .
يكون الاختصاص لمحكمة التنفيذ( قاضي التنفيذ) ان وجد او رئيس المحكمة الابتدائية أو من يندبه الأخير وفقاً لنص المادة (326/أ) والمادة (2) من قانون المرافعات وهو ما أشار إليه أحد مبادئ المحكمة العليا ، والذي أوضحناه تفصيلاً في منشور سابق بعنوان ” بصمة القضاء على الواقع “.
شروط الدعوى المستعجلة
يوجد شرطين لاثالث لهما وهما:
1-الإستعجال
وهو ضرورة لاتحتمل التأخير ولايمكن درء الخطر بالطرق العادية ، ومعيار العجلة يستمد من ظروف النزاع وليس من رغبة الخصوم في الاستعجال.
2– المطلوب اجراء وقتي
وهو ان يكون طلب المدعي قائم على وقائع تقبل التغيير والتعديل ويتم تحديد مركز الخصوم تحديداً مؤقتاً .
صور الدعوى-الطلب- المستعجلة، وهل وردت في القانون على سبيل الحصر ام المثال؟
هناك أمور افترض المشرع فيها توافر شروط الدعوى المستعجلة وحددها في المادة (240) من قانون المرافعات وهي كالتالي:
– طلب سماع شاهد مع عدم المساس بحق المدعي في إستصدار أمر بمنعه من السفر اذا اقتضى الأمر ذلك.
– طلب استرداد الحيازة.
– طلب إثبات الحالة .
– طلبات الأموال القابلة للتلف او الإذن به.
– طلب فرض الحراسة القضائية.
– طلب الأمر بنفقة مؤقته.
– الطلبات المتعلقة بحماية الوضع الظاهر واعادة الحال الى ماكان عليه ، وهذه الحالة تم احلالها بدلاً من ” حالة طلب منع التعرض المادي وإزالة العدوان” وذلك في تعديل القانون رقم (1) لسنة (2021م).
وهناك أمور لايفترض فيها شروط الاستعجال فتختلف من دعوى لأخرى، لذلك ترك المشرع للقاضي سلطة تقديرية ولكنها مقيدة بمعيار اساسي وهو ( وجود مصلحة يُخشى فواتها او الحاق ضرر بالغ ان لم يتم اتخاذ اجراء تحفظي او وقتي) ، ولنا ان نفهم توجه المشرع السابق بإيراده عبارة ( يعتبر من ) في المادة السابقة حيث ان حرف ( من ) يدل على التبعيض وليس الحصر والقصر.
الضمانات التي أوجبها المشرع لتحقيق الغاية من تشريع القضاء المستعجل
1- اعلان المدعى عليه مرة واحدة ولايلزم تكراره.
2- اعلان المدعى عليه خلال(24)ساعة يجوز انقاصها كما سبق التوضيح.
3- اصدار الحكم داخل او خارج المحكمة في مواجهة المدعى عليه او في غيابه بحضور المنصوب عنه.
4- تنفيذ الحكم بموجب مسودته دون اتباع مقدمات التنفيذ ، وللمحكمة ان تشترط كفالة لتنفيده تقدرها بحسب الأحوال ، فإذا لم تنص كان الحكم واجب النفاذ بدون كفالة.
5- الطعن في الحكم في ميعاد (8)أيام فور النطق به أي من واقع مسودته، ووجوب الفصل فيه خلال (8)أيام ، ولايوقف الاستئناف تنفيذ الحكم.
6- لايتقيد القاضي بأدلة الاثبات وترجيحها وانما بناءً على الظاهر دون التعمق بالمستندات والقطع بها بشأن حاسم وانما بحثاً عرضياً تحسسياً كما أشارت اليه محكمة النقض بمصطلح ( تحسس المستندات) ، أي بحسب مايتبادر اليه من الظاهر ، وذلك يعد نتيجة منطقية للتسليم بأن الحكم المستعجل ذو حجة مؤقته، ايضاً يجب على القاضي عدم الاستناد في تسبيبه للحكم المستعجل الى ثبوت الحق او نفيه بل يقتصر دوره على الترجيح من بين الاحتمالات.
الالفاظ الذي قد يستخدمها القاضي عند كتابته لحيثيات الحكم
مثلاً/ وحيث انه يبدو، وحيث ان الظاهر من الاوراق او الظروف، وعبارات اخرى لاتقطع بثبوت الحق الموضوعي او نفيه ، فلا يصح قوله حيث انه قد ثبت ، الا ان يقصد ثبوت معيار الاستعجال او في حالة نفقة الابناء في دعوى مطالبة الاب لرؤية او لحضانة اولاده عند اسقاط الحضانة من الام او امها اي جدت اولاده او غيرهن اذا استخدمت المحكمة سلطتها التقديرية بالاصلح وفق القانون الشخصي، فالدعوى المستعجلة او الطلب بخصوص النفقة ثابتاً شرعاً وقانوناً على الاب وفق قدرته اعساراً وايساراً كما ذهب إليه القانون الشخصي.
العبارات التي قد تستخدم في الحكم المستعجل
قد يرد في الحكم المستعجل عبارة حتى الفصل في الموضوع او كلمة مؤقتاً او اي عبارة لا تدل على القطع واليقين الا اذا كانت تتعلق بثبوت معيار القضاء المستعجل.
زمن رفع الدعوى المستعجلة
قد يكون في ايام العمل القضائي وفي هذه الحالة قد ترفع استقلالاً او تبعاً للدعوى الأصلية الموضوعية كطلب عارض ، وقد ترفع في ايام الاجازة القضائية وبالطبع لن تكون الا دعوى أصلية مستعجلة .
وفي الأخير
يجب علينا التفرقة وعدم الخلط بين الدعاوى المستعجلة التي تتوفر فيها معيار القضاءالمستعجل[ خشية وقوع الضرر ووجود مصلحة يخشى فواتها] ، وبين الدعاوى الموضوعية الذي أوجب المشرع الفصل فيها على وجه الاستعجال ، والذي انتقد الشُراح سلوك المشرع لاستخدامه عبارة (على وجه الاستعجال) و عبارة (بإجراءات المحاكمة المستعجلة ) في دعاوى لاتُنظر إلا موضوعاً ، حيث كان من الأفضل استعمال عبارة( على وجه السرعة) وعبارة( بإجراءات المحاكمة السريعة) وذلك لمنع اللبس الذي قد يتبادر بين نوعي الدعويين السابقتين.