التشكيل العددي القانوني للمحكمة والأثر المترتب على مخالفته
المحامي الدكتور: هشام قائد عبد السلام الشميري*
يقصد بالتشكيل القانوني العددي للمحكمة عدد القضاة الذين تتكون منهم هيئاتها أو دوائرها عندما تجلس للقضاء، حيث يحدد القانون بطريقة لا تقبل النقص أو الزيادة ولا يجوز الاتفاق على مخالفتها عدد القضاة الذين يجلسون للقضاء ودرجاتهم بقواعد متعلقة بالنظام العام باعتبار تشكيل المحاكم مرتبطاً بأسس النظام القضائي، فقد حدده المشرع بطريقة لا تقبل النقص أو الزيادة، بحيث يجب أن يصدر العمل القضائي من هيئة مشكلة وفق التشكيل القانوني العددي المحدد قانوناً دون زيادة أو نقصان.
ويأخذ النظام القضائي اليمني بنظام القاضي الفرد في محاكم الدرجة الأولى كقاعدة عامة، فهي تشكل كأصل عام من قاض فرد، مع ذلك يجوز في حالة توافر عدد كاف من القضاة أن تؤلف من ثلاثة قضاة م (44) من قانون السلطة القضائية. بينما يأخذ بنظام تعدد القضاة في محاكم الدرجة الثانية التي يسود دوائرها التشكيل الثلاثي، فهي تتكون من عدد من الدوائر- يطلق عليها في الواقع القضائي اليمني الشُعب الاستئنافية- كل دائرة تتكون من ثلاثة قضاة م (39) من قانون السلطة القضائية. ويأخذ أيضاً بنظام تعدد القضاة في المحكمة العليا، فهي تتكون من ثمان دوائر كل دائرة تتكون من خمسة قضاة عدا الدائرة الدستورية فتتكون من سبعة قضاة، وتتكون الجمعية العامة للمحكمة العليا من جميع قضاة دوائرها م (17،27) من قانون السلطة القضائية م، (302) من قانون المرافعات.
ولم تحسم القوانين الوضعية -باستثناء القانون اليمني- أثر مخالفة قواعد التشكيل القانوني العددي للمحكمة على العمل القضائي، ما جعل هذه المسألة محل خلاف في الفقه والقضاء المقارن، فقد ذهب أغلب الفقه والقضاء المقارن إلى أن التشكيل العددي للمحكمة المحددة قانوناً يعد شرطاً لازماً لوجود العمل القضائي وليس فقط لصحته، فإذا صدر العمل القضائي من هيئة مشكلة بالمخالفة للتشكيل العددي المحدد قانوناً نقصا أو زيادة فإنه يكون منعدماً لانتقاص الولاية القضائية أو زيادتها؛ وذلك لأن الهيئة المشكلة بالمخالفة للتشكيل العددي المحدد قانوناً نقصاً أو زيادة لا ينطبق عليها وصف محكمة من الناحية القانونية، لان الولاية كل لا يتجزأ، فلا تكتمل هذه الولاية إذا شابها نقص أو زيادة، وهذا يعني عدم اكتمال العضو القضائي، ومن ثم تخلف ركن القاضي الذي يُعد ركناً من الأركان الأساسية اللازمة لوجود العمل القضائي والذي يؤدي تخلفه إلى الانعدام. بينما ذهب بعض الفقه والقضاء المقارن إلى قصر جزاء الانعدام فقط على حالة نقصان التشكيل العددي لهيئة المحكمة عن العدد المحدد قانوناً، ولا يمتد إلى حالة زيادة التشكيل العددي عن العدد المقرر قانوناً فهذا يبطل الحكم ولا يعدمه. في حين ذهب جانب من الفقه المقارن إلى أن التكوين العددي للهيئة التي أصدرت الحكم لا يمس صفتها القضائية، وإنما يمس صلاحيتها في الفصل في الدعوى، فهو شرط من شروط الصحة لا الوجود، ومن ثم فإن النقص أو الزيادة في التشكيل العددي عن العدد المقرر قانوناً يبطل الحكم ولا يعدمه.
وقد حسم المشرع اليمني في قانون المرافعات ذلك الخلاف والجدل بتقريره صراحةً جراء الانعدام على مخالفة هيئة المحكمة للتشكيل العددي المحدد قانوناً، وذلك بما نص عليه في المادة (11) من قانون المرافعات من أنه: “إذا كانت هيئة الحكم في المحكمة مشكلة من أكثر من قاض وجب اجتماعهم لنظر الدعوى والحكم فيها”، وبما قرره في المادة (15) من ذات القانون من أن مخالفة ذلك يترتب عليه انعدام العمل القضائي. والملاحظ أن المادة (11) مرافعات التي رتب المشرع على مخالفتها الانعدام جاءت بصيغة العموم تشمل حالة نقصان التشكيل العددي لهيئة المحكمة عن العدد المقرر قانوناً، وتشمل أيضاً حالة زيادة التشكيل العددي عن العدد المقرر قانوناً، وبالتالي فإن العمل القضائي يكون منعدماً إذا صدر من هيئة عددها يزيد أو ينقص عن العدد الذي حدده القانون؛ وذلك لأن التكوين العددي لهيئة المحكمة حدده المشرع بطريقة لا تقبل النقص أو الزيادة، فلا تكتمل الولاية القضائية إذا شابها نقص أو زيادة، ولا ينطبق على الهيئة المشكلة بالمخالفة للتشكيل العددي المحدد قانوناً نقصاً أو زيادة وصف المحكمة من الناحية القانونية. والملاحظ أيضاً أن المادة (11) مرافعات التي رتب المشرع على مخالفتها انعدام العمل القضائي جاء فيها عبارة( وجب اجتماعهم لنظر الدعوى والحكم فيها)، والمراد بهذه العبارة ضرورة اشتراك جميع قضاة هيئة المحكمة في نظر الدعوى وفي المداولة التي يتوصل من خلالها إلى الحكم في القضية، بحيث يجب أن تباشر هيئة المحكمة مجتمعة بكافة أعضائها إجراءات نظر الدعوى حتى الحكم فيها، وبالتالي فإن الانعدام المترتب على مخالفة هذه المادة لا يتحقق فقط في حالة مخالفة تشكيل هيئة المحكمة لتشكيلها العددي المحدد قانوناً عند المداولة والحكم في القضية، وإنما يتحقق أيضاً في حالة مخالفة تشكيلها العددي عند نظر الدعوى وسماع المرافعة والدفاع.
وعلى ذلك يجب عند تعدد هيئة المحكمة – كما هو الحال في دوائر المحكمة العليا وفي الشُعب الاستئنافية– أن تنعقد وفق التشكيل العددي الذي حدده القانون دون نقص أو زيادة لنظر الدعوى والحكم فيها، وإلا كان العمل القضائي منعدماً، فالعمل القضائي يكون منعدماً إذا لم يشترك في إجراءات نظر الدعوى أو الحكم فيها جميع قضاة الهيئة وفقاً لتشكيلها العددي المحدد قانوناً، كأن يحصل نقص أو زيادة في عدد الهيئة التي اشتركت في نظر الدعوى أو الحكم فيها. فإذا كان القانون يتطلب تشكيل هيئة المحكمة من خمسة قضاة، بينما صدر الحكم من هيئة مكونة من عدد أقله أربعة أو ثلاثة قضاة أو من عدد أكثره ستة أو سبعة قضاة، فإن هذا الحكم يكون منعدماً؛ لأن الولاية منوطة بها كهيئة مجتمعة دون نقصان أو زيادة، فالهيئة المشكلة بالمخالفة للتشكيل العددي المحدد قانوناً لا ينطبق عليها وصف المحكمة من الناحية القانونية ما يجعل عملها منعدماً لتخلف ركن القاضي . ولا يؤثر في ذلك أن المداولة اشترك فيها بقية أعضاء هيئة المحكمة الذين يمثلون الأغلبية اللازمة قانوناً لإصدار الحكم الذي يصدر بأغلبية الآراء؛ وذلك لأن ما قرره المشرع من صدور الحكم بأغلبية الآراء ليس معناه جواز اشتراك أغلبية الهيئة بالمداولة بحيث إذا كانت الهيئة مشكلة من ثلاثة يكفي أن يشترك في المداولة وإصدار الحكم اثنان في غياب الثالث، وإنما يلزم أن يشترك جميع قضاة الهيئة في المداولة التي تسبق الحكم.
ويدخل في مخالفة التشكيل العددي القانوني للمحكمة المؤدية إلى انعدام العمل القضائي حالة ما إذا توافر العدد الذي حدده القانون، وكان أحد قضاة الهيئة ليس له الصفة القضائية أو فقد صفته القضائية لأي سبب، فإن الحكم هنا يكون منعدماً لانتقاص الولاية الذي يؤدي إلى تخلف ركن القاضي؛ لان ذلك يعادل صدور الحكم من عدد من القضاة يقل عن العدد المقرر قانوناً.
ويدخل أيضاً في مخالفة التشكيل العددي لهيئة المحكمة المحدد قانوناً المؤدية إلى انعدام العمل القضائي حالة ما إذا لم يصدر الحكم بالإجماع أو الأغلبية المنصوص عليها في قانون المرافعات، فالحكم الذي لا يستوفي الأغلبية التي قررها القانون يُعد منعدماً
قانوناً، كالحكم الصادر من رئيس الدائرة وحده؛ لأن ذلك يعادل صدور الحكم من عدد من القضاة يقل عن العدد المقرر قانوناً. ويستوي في ذلك الأغلبية العادية التي قررها المشرع كأصل عام لصدور الحكم بها المنصوص عليها في المادة (226) مرافعات، أو الأغلبية المشددة التي قررها المشرع استثناءً من الأصل العام لصدور الحكم بها في بعض الحالات، فإذا لم يصدر الحكم بتلك الأغلبية المنصوص عليها في القانون فإن الحكم يكون منعدماً قانوناً. وهذا ما قرره المشرع اليمني صراحةً، حيث أوجب في الفقرة الأخيرة من المادة (11) من قانون المرافعات صدور الحكم بالأغلبية المقررة في القانون بما نصت عليه من أنه: “..وإذا اختلف القضاة فيكون الحكم بالأغلبية طبقاً لما هو منصوص عليه في هذا القانون”، كما رتب في المادة (15) من ذات القانون على مخالفة المادة (11) مرافعات انعدام العمل القضائي. ولذلك نؤيد ما ذهب إليه بعض الفقه الإجرائي من أنه يتعين على المحكمة بيان ما إذا كان الحكم صادراً بالإجماع أم بالأغلبية، مع بيان عدد الأصوات الصادر بها الحكم إذا كان صادراً بالأغلبية، بما يمكن من التحقق مما إذا كان الحكم قد صدر بالأغلبية فعلاً من عدمه؛ لأن هذا الواجب يستشف بطريق اللزوم، كون بيان ذلك لازماً للتحقق مما أوجبه المشرع اليمني في المادة (11) مرافعات من صدور الحكم بالأغلبية المقررة في القانون.
وهذا ينطبق على التشكيل العددي للجان أو المجالس أو الهيئات غير القضائية ذات الاختصاص القضائي، فيجب أن تشكل هذه اللجان أو المجالس أو الهيئات طبقاً لأحكام القوانين المنظمة لها؛ لأنها تُعتبر بمثابة محكمة لها سلطة إصدار قرارات قضائية تُعد بمثابة أحكام، فإذا خالفت التشكيل العددي الذي حدده القانون فإن القرارات الصادرة عنها تكون منعدمة قانوناً؛ لأن الولاية منوطة بها كهيئة مجتمعة، فيجب اجتماع جميع أعضائها لمباشرة إجراءات نظر الدعوى والحكم فيها وإلا كانت تلك الإجراءات المتخذة دون حضور أحد أعضائها منعدمة هي والحكم الصادر بناءً عليها. وعلى ذلك إذا كانت هيئة التحكيم الاختياري مشكلة من ثلاثة محكمين فإنه يجب اجتماعهم جميعاً لمباشرة إجراءات نظر الدعوى والحكم فيها؛ لأن الولاية منوطة بها كهيئة مجتمعة، فإذا تخلف أحد أعضاء لجنة التحكيم عن حضور الجلسات أو اتخذت بعض إجراءات نظر الدعوى دون حضوره فإن ذلك يجعل تلك الجلسات أو الإجراءات منعدمة هي والحكم الصادر بناءً عليها، كما ينعدم حكم التحكيم إذا لم يشترك أحد أعضاء لجنة التحكيم في المداولة التي تسبق صدور الحكم، ولا يؤثر في ذلك أن المداولة اشترك فيها بقية أعضاء لجنة التحكيم الذين يمثلون الأغلبية اللازمة قانوناً لإصدار الحكم الذي يصدر بأغلبية الآراء.
ولا يدخل في مخالفة التشكيل العددي للمحكمة المترتب عليه انعدام العمل القضائي العيوب الأخرى التي قد تصيب تشكل المحكمة، كأن يرجع عيب مخالفة التشكيل إلى اشتراك غير القضاة الذين سمعوا المرافعة في المداولة أو عدم توقيع القضاة المشتركون في المداولة على مسودة الحكم أو عدم حضورهم جلسة النطق بالحكم، فهذه العيوب تؤدي فقط إلى بطلان الحكم وليس انعدامه؛ وذلك لأن المادة (11) من قانون المرافعات التي رتب المشرع على مخالفتها الانعدام اقتصرت فقط على عيب مخالفة التشكيل العددي للمحكمة المحدد قانوناً دون العيوب الأخرى التي قد تصيب تشكيل المحكمة بدليل ما جاء في صدر هذه المادة من عبارة ( إذا كانت هيئة الحكم في المحكمة مشكلة من أكثر من قاض وجب…)، كما أن المشرع في المواد (222،225،227) مرافعات قد رتب صراحةً جزاء البطلان إذا اشترك في المداولة غير القضاة الذين سمعوا المرافعة أو إذا لم يوقع القضاة المشتركون في المداولة على مسودة الحكم أو لم يحضروا جلسة النطق بالحكم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* دكتوراه في قانون المرافعات ومحامي لدى محكمة النقض- خبير ومدرب في مجال التحكيم.