كتابات

وداعاً فقيه القضاة

فجع الوسط القضائي والحقوقي بالرحيل المباغت للقاضي الباحث وفقيه القانون الدكتور عبد الملك بن عبد الله الجنداري عضو المحكمة العليا وعميد المعهد العالي للقضاء ورئيس هيئة التفتيش القضائي الأسبق.
كان الفقيد رحمه الله صاحب مقدرة فائقة على البحث العلمي وقد قدم لمجلس القضاء العديد من الدراسات التي تتضمن تصورات جادة حول إصلاح القضاء والقوانين المتعلقة بذلك، وواجب العزاء يدفع كل مهتم بالعدالة لأن يأمل من مجلس القضاء احترام جهود الفقيد العلمية ووضع الدراسات التي أفنى جل عمره في إعدادها قيد المناقشة والبحث في المجلس واتخاذ الخطوات العملية لتجد طريقها إلى التنفيذ ضمن خطة عمل للإصلاح، هذه هي الخطوة التي تخفف من وقع خسارة الوطن للكوادر المؤهلة سواء في مجال القضاء أو غيره، فاليمن فقد في السنوات الأخيرة ويفقد الكثير من كوادره، وفقدان الكوادر المؤهلة خسارة من الصعب تعويضها، ولهذا فإن من المهم الاعتراف بالجهود من خلال مواصلة ما يقدمه المفقودون من أعمال مادية أو معنوية فهذا هو طريق بناء الأوطان؛ لأن الأعمار قصيرة والحضارة تبنى بالتراكم العلمي والمعرفي واحترامهما.
إن البلدان التي لا تحترم العلم ويعاني فيها المبدعون الإجحاف والتجاهل والظلم، بل والمهانة في كثير من الأحيان لا يمكن أن تقوم لها قائمة، ولقد عرفت الفقيد منذ بداية ممارسته القضاء كقاض ابتدائي على درجة عالية من النزاهة والنباهة وإعطاء مهنة القاضي حقها من الاحترام والوقار، ومن خلال مراجعة بعض أبرز القضايا التي تولاها يرحمه الله في التسعينات أواخر القرن الماضي أي في ريعان شبابه أذكر على عجالة القضايا التالية:
1- خلال حرب 1994م التي أطلق عليها ظلماً وعدواناً وزوراً حرب الحفاظ على الوحدة، وبعد انتهاء تلك الحرب كان الإعلام يردد لقد عمدت الوحدة بالدم، ومن العجائب أن تعمد الوحدة بالدم، وهذا قول عجيب وغريب لأن الوحدة لا تعمد إلا بالحب والوفاء والإخلاص في العمل وبناء الدولة التي تحميها وتحافظ عليها من المتربصين بها في الداخل والخارج وأهم ما يحافظ عليها الحرص على وحدة الجبهة الداخلية بصدق ووعي لأسباب التشظي وتجنب أسباب الانقسام والتشظي، وخلال تلك الحرب المجنونة كانت جامعة صنعاء، قد قامت بفصل الأستاذ الدكتور أبو بكر السقاف أبرز دكاترة الفلسفة في كلية الاجتماع والفلسفة الذي درَّس في كثير من جامعات العالم والذي كان من القلائل الذين تفخر بهم اليمن لما قدمه وطنياً وقومياً وعالمياً، ومن العجائب أنه مات مهملاً في موسكو، وكان قرار الفصل على إثر تعيينه وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي في الحكومة المؤقتة التي أعلن عن تشكيلها في الجنوب نتيجة إعلان الحرب مع العلم إن الدكتور السقاف كان في مهمة علمية بإحدى الدول الأوروبية بتكليف من الجامعة كأستاذ زائر ولا علم له بتعيينه في الحكومة المعلن عن تشكيلها، وقد رفعت دعوى إلغاء قرار الجامعة لبطلانه أمام المحكمة المختصة محكمة غرب الأمانة التي كان يرأسها الفقيد، وكان حكمه مفاجئاً وسريعاً حيث قضى ببطلان قرار الجامعة وإعادة الدكتور السقاف إلى عمله، وصرف كامل مرتباته ومستحقاته كاملة ومثلها تعويضاً! .
2- خلال حرب 1994م أيضاً جرى تسليم بيوت بعض الإخوة من أعضاء الحزب الاشتراكي المحسوبين ضمن جناح الأستاذ علي سالم البيض الذين أطلق عليهم (الطغمة) لصالح آخرين من المحسوبين على جماعة الأستاذ علي ناصر محمد الذين أطلق عليهم (الزمرة)، – وإذا أخطأت في التسمية يمكن التصحيح- وكان سحب البيوت من جماعة إلى أخرى شكلياً بتوجيه من رئيس الوزراء وحين حضر محامي رئاسة الوزراء، أراد إخلاء مسؤولية موكلته بذريعة أن التوجيه محل الطعن كان بناء على توجيه من السلطات العليا يقصد رئيس الجمهورية، فتم طلب استدعاء رئيس الجمهورية بصفته وشخصه، وخلال الفترة بين جلستي المحكمة تم تسوية القضية بناء على تواصلات وطلب الموكلين سحب القضية من المحكمة.
3- قضية المرحوم عبد الحبيب سالم عضو مجلس النواب المعارض وصاحب أشهر مقال سياسي أسبوعي في صحيفة صوت العمال على مدى سنوات الذي تعرض لمضايقات داخل المجلس بسبب مقالاته وعلى إثرها قدم استقالته ثم سحبها وقد قدم سالم دعوى ضد مجلس النواب الذي اعتبر عضويته منتهية فأصدر القاضي المرحوم حكماً قضى بأن عبد الحبيب مازال عضواً استناداً إلى الفصل الثالث المادة (196) من اللائحة الداخلية للمجلس وعقب ذلك مباشرة وخلال ذلك جرى مساومته من قبل السلطات، بوظيفة دبلوماسية بديلة، ثم توفي في ظروف غامضة.
هذه فقط نماذج من القضايا الهامة التي تبين أن القاضي الجنداري كان من القضاة الذين يقدرون مكانة القضاء ويحترمون سيادته ويعون أهمية استقلاله، والحقيقة أن إصدار مثل هذه الأحكام القضائية تحسب أولاً للقاضي الذي أصدرها، وبالتالي تحسب للنظام الذي صدرت في ظله إذا لم يتخذ من القاضي موقفاً معادياً فيعمد إلى معاقبته والتعنت بشأن حقوقه في الترقيات والمكافآت وكل الامتيازات، وأن يأخذ المكان اللائق والمناسب لكفاءته ونزاهته فالحرص على أن يأخذ القضاة الشرفاء مكانتهم سمة من سمات الدول المحترمة والمهابة.
رحم الله الفقيد رحمة الأبرار، وأسكنه الجنة، وألهم جميع أهله وذويه وزملائه ومحبيه الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
الأسيف قاضي/ عبد العزيز البغدادي

Loading