كتابات

عدم إبلاغ المتهم بحقه في استئناف الحكمر

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

قضى الحكم محل تعليقنا بأن عدم قيام المحكمة بإبلاغ المتهم ان له الحق في استئناف الحكم عقب صدور الحكم الابتدائي يجعل الحكم معيباً لمخالفته ما اوجبه قانون الإجراءات في المادة (373)، فيكون الحكم في هذه الحالة باطلا لتعلق ذلك بحق المتهم في الدفاع، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 4-2-2013م في الطعن رقم (48352)، الذي ورد ضمن أسبابه: ((لما كان المقرر وفقاً للمادة (373) إجراءات أنه في المواد الجزائية يتوجب على القاضي عقب إصدار الحكم والنطق به قبل المتهم إبلاغه ان له الحق في استئناف الحكم وان يوقفه على المدة التي يجوز له الاستئناف خلالها، ذلك إذا كان الحكم من الأحكام الجائز استئنافها، ولذلك فإن عدم مباشرة القاضي لهذا الإجراء يترتب عليه حرمان المتهم من درجة من درجات التقاضي، فيكون حكمه قد خالف ما أوجبه عليه القانون، مما يجعل الحكم الاستئنافي المؤيد له معيباً))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: السند القانوني للحكم بان عدم قيام القاضي بإبلاغ المتهم بحقه في استئناف الحكم يبطل الحكم:

استند الحكم محل تعليقنا في قضائه إلى المادة (373) إجراءات التي نصت على أنه (إذا كان الحكم من الأحكام الجائز استئنافها فيجب على القاضي إبلاغ المتهم بأن له الحق في الاستئناف وان يوقفه على المدة التي يجوز له خلالها ذلك)، ومن خلال استقراء النص السابق يظهر أنه قد ورد بصيغة الوجوب (فيجب على القاضي) وهذا يعني أن النص آمر يفيد الوجوب، ومن المعلوم ان النصوص الآمرة تكون من النظام العام، وفقاً لمعايير التفرقة بين النصوص المتعلقة بالنظام العام وغيرها (الدفوع المتعلقة بالنظام العام، أ.د.عبدالمؤمن شجاع الدين، ص7)، كما يظهر من سياق النص السابق ان الإبلاغ قاصر على المتهم دون غيره من اطراف الدعوى الجزائية أو الدعوى المدنية التابعة لها، كما ان هذا الإبلاغ خاص بالمتهم في القضايا الجزائية وليس بالنسبة للقضايا الأخرى .

الوجه الثاني: مضمون إبلاغ القاضي للمتهم:

حسبما ورد في نص المادة (373) إجراءات السابق ذكرها وماورد ضمن أسباب الحكم محل تعليقنا، فإن مضمون هذا البلاغ يشتمل على أمرين، الأول: مخاطبة القاضي علانية للمتهم بعد النطق بالحكم مباشرة بأن من حقه استئناف الحكم وفقا للقانون، والأمر الثاني: ان يوضح القاضي للمتهم المدة المقررة قانوناً لاستئناف الحكم، ومن مقتضيات هذا الإبلاغ ان يتم إبلاغ المتهم بالإجراءات المقررة قانوناً لاستئناف الحكم كالتقرير بالاستئناف والحصول على الشهادة السلبية واحتساب بداية ميعاد الاستئناف، لأن النص السابق قد الزم القاضي بإبلاغ المتهم بحقه في الاستئناف والمدة المقررة لذلك مطلقاً، (الأحكام والأوامر الجنائية، المستشار معوض عبدالتواب، ص204).

الوجه الثالث: إجراءات إبلاغ القاضي للمتهم بحقه في الاستئناف ومدته:

المتبع لدى القضاء في اليمن وفي بقية الدول ان القاضي بعد النطق في الحكم مباشرة وفي الجلسة يخاطب المتهم شفاهة بأن له الحق في استئناف الحكم خلال مدة خمسة عشر يوماً من تاريخ النطق بالحكم، ويتم إثبات ابلاغ القاضي في محضر جلسة النطق بالحكم، كما يتم إثبات ابلاغ القاضي في ذيل الحكم الابتدائي عند صدوره، وبعض القضاة يقوم بتضمين البلاغ إجراءات الاستئناف بإيجاز، حسبما يظهر لنا من خلال المطالعة المستمرة لأحكام المحكمة العليا في اليمن وغيرها.

الوجه الرابع: عدم إبلاغ المتهم بحقه في الاستئناف ومدته إخلال بحق الدفاع:

إبلاغ المتهم بحقه في استئناف الحكم والمدة المقررة لذلك من حيث قدرها وبدايتها ونهايتها يتعلق بحق الدفاع المقرر للمتهم وفقاً للدستور وقانون الإجراءات، ولذلك فهو متعلق بالنظام العام حسبما سبق بيانه، وقد افرد القانون المتهم بهذا البلاغ مراعاة لجانب المتهم باعتباره الطرف الأضعف والاولى بالرعاية، إذ يقف المتهم أمام القاضي الجزائي الذي في مواجهة  اطراف عدة سيما النيابة العامة بما لها من سلطات وإمكانيات وقدرات، (تنظيم الإجراءات الجزائية في القانون اليمني، استاذنا المرحوم الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم زيد، ص382).

الوجه الخامس: بطلان الحكم الابتدائي وبطلان الحكم الاستئنافي المؤيد إذا لم يتم إبلاغ المتهم بحقه في استئناف الحكم:

قضى الحكم محل تعليقنا ببطلان الحكم الاستئنافي الذي قضى بتأييد الحكم الابتدائي الذي لم يقم القاضي الذي اصدره بإبلاغ المتهم بحقه في استئناف الحكم والمدة المقررة لذلك، لأن عدم الإبلاغ يترتب عليه حرمان المتهم من حقه في الاستئناف وذلك يخل بحق المتهم في الدفاع ويحرمه درجة من درجات التقاضي وهي درجة الاستئناف، إضافة إلى ان نص المادة (373) إجراءات السابق ذكرها قد أوجب الإبلاغ، وذلك النص آمر واجب التطبيق، علاوة على أن حق الدفاع مكفول بموجب الدستور وقانون الإجراءات الجزائية، لذلك كله فإن البطلان هو الجزاء المناسب للحكم إذا ثبت ان القاضي الذي نطق به لم يقم بإبلاغ المتهم بحقه في استئناف الحكم والمدة المقررة لذلك.

الوجه السادس: إبلاغ المتهم لا يكون من قبيل تلقين القاضي للخصوم:

ضمن آداب القضاء المقررة في قانون المرافعات نصت المادة (26) مرافعات على أنه (2- لا يجوز للقاضي ان يشير إلى أحد الخصمين أو يلقنه حجة)، ومع ذلك فإن هذا النص لا ينطبق على إبلاغ القاضي للمتهم بحقه في استئناف الحكم والمدة المقررة لذلك، لأن هذا البلاغ يصدر من القاضي بعد نطقه بالحكم، ومن المعلوم أن القاضي عندما ينطق بالحكم يستنفد ولايته، إضافة إلى أن الاعتبارات التي جعلت قانون الإجراءات يوجب الإبلاغ اعتبارات متعلقة بحق الدفاع والنظام العام، مما يجعل إبلاغ المتهم لا يعد تلقيناً من القاضي للمتهم.

الوجه السابع: النص في منطوق الحكم المدني على أن من حق الأطراف الطعن في الحكم في الميعاد المقرر قانوناً:

من خلال المطالعة المستمرة لطائفة كبيرة من الأحكام المدنية نجد أن بعضها يتضمن فقرة في منطوقه تقضي: بأن من حق أطراف الحكم أو المحكوم عليه الطعن في الحكم في الميعاد المقرر لذلك في القانون، فورود هذه الفقرة ضمن منطوق الحكم المدني تزيد لا حاجة إليه، لأن القانون لم يوجب الإبلاغ إلا بالنسبة للحكم الجزائي وبالنسبة للمتهم فقط، حسبما سبق بيانه وحسبما قضى الحكم محل تعليقنا، والله أعلم.

 

Loading