كتابات

ورود جزاء الانعدام على الأحكام الصادرة من هيئة السبعة الاستثنائية

المحامي الدكتور هشام قائد عبد السلام الشميري

يقصد بهيئة السبعة الاستثنائية الهيئة القضائية المشكلة من سبعة قضاة المنوط بها الفصل في التظلم المقدم أمام رئيس الجمهورية في الحكم البات المشتمل على خطأ بين أضر بالعدل والتي تشكل من أحد نواب رئيس المحكمة العليا ومن رؤساء الدوائر وذلك وفقا لنص المادة (293) من قانون المرافعات بما نصت عليه من أن: ( أ- لرئيس الجمهورية بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى أن يطلب من رئيس المحكمة العليا إعادة النظر في أي حكم بات يرى أنه يشتمل على خطأ يضر بالعدل مع تبيين وجه الخطأ. ب- ينظر الحكم سبعة من قضاة المحكمة العليا يكون من بينهم أحد نواب رئيس المحكمة العليا رئيساً لها ويكون الأعضاء من رؤساء الدوائر فيها على ألا يكون منهم من سبق له أن نظر القضية، وإذا تعذر تشكيلها لهذا السبب يكون لرئيس المحكمة استكمال العدد من بين قضاة المحكمة العليا).

ويعد التظلم من الحكم البات أمام رئيس الجمهورية طريقاً استثنائياً يجب تفسيره تفسيراً ضيقاً وعدم التوسع فيه، كون الأصل العام من الناحية القانونية أنه لا سبيل إلى الطعن في الأحكام الباتة الحائزة لحجية الأمر المقضي به وهي عنوان الحقيقة فلا سبيل إلى مراجعة قضاء محكمة النقض باعتبارها جهة القضاء العليا وخاتمة المطاف في مراحل التقاضي وأحكامها باتة لا سبيل للطعن فيها، وقد استثنى المشرع من ذلك حالة ما إذا اشتمل الحكم البات على خطأ بين أضر بالعدل وتوافرت فيه شروط طلب إعادة النظر، وهذه الطريقة الاستثنائية تحتم الحيطة والحذر والأخذ بها في أضيق نطاقها وعدم التوسع فيها لما من شأنها المساس بحجية أحكام قضائية باتة وعدم استقرار الأوضاع والمراكز القانونية وهو ما ينطوي على مخاطر كبيرة.

غير أن الملاحظ في الواقع للأسف الشديد صدور الكثير من الأحكام بهذه الطريقة الاستثنائية خلال السنوات الأخيرة والتي جاءت بعضها مهدرة لجميع الأحكام الصادرة من محاكم درجات التقاضي الابتدائية والاستئنافية والعليا بل جاءت بعضها مجردة من أركانها الأساسية اللازمة لوجوده القانوني ومفتقرة إلى أبسط مقوماتها اللازمة لوجودها، وهذا ينطوي على مخاطر كبيرة ويعد أمراً خطيراً غير مقبول لاسيما أنها صادرة من هيئة قضائية استثنائية أوجب المشرع تشكيلها من أكفاء القضاة ممن هم في أعلى الدرجات القضائية، إذ أن من شأن ذلك المساس بحجية أحكام قضائية باتة والنيل من هيبة القضاء وانتهاك مبدأ الاستقرار القضائي بما يؤدي إلى عدم استقرار الأوضاع والمراكز القانونية.

وإذا كانت هيئة السبعة الاستثنائية تفصل في التظلم من الحكم البات بموجب حكم قضائي، وهذا الحكم قد يأتي معيباً بعيب جسيم يجرده من الأركان الأساسية اللازمة لوجوده القانوني وهو ما يثور معه التساؤل حول إمكانية ورود جزاء الانعدام على مثل هذا الحكم، فهل يجوز مواجهة الحكم الصادر من هيئة السبعة عن طريق رفع دعوى أصلية بانعدامه أو الدفع بانعدامه أم أن ذلك لا يجوز؟

نرى أن جزاء الانعدام يرد على الحكم الصادر من هيئة السبعة الاستثنائية باعتباره عملاً قضائياً، ورأينا هذا يستخلص من النظام القانوني في قانون المرافعات اليمني وسندنا في ذلك الآتي:

  • إن المشرع اليمني في المادة (55) من قانون المرافعات جعل العمل القضائي هو المحل الذي يرد عليه جزاء الانعدام، فقد اعتبر المشرع اليمني العمل القضائي هو المحل الذي يرد عليه جزاء الانعدام بما نصت عليه المادة (55) من قانون المرافعات من أن: (الانعدام وصف يلحق العمل القضائي…).

والملاحظ من هذا النص القانوني أن مصطلح (العمل القضائي) الذي استعمله المشرع بشأن تحديد المحل الذي يرد عليه جزاء الانعدام قد ورد بصيغة العموم بحيث ينصرف إلى كافة الأحكام القضائية بغض النظر عن الهيئة مصدرتها أياً كان درجتها وأياً كان تشكيلها.

ومما لاشك فيه أن الصفة القضائية لعمل هيئة السبعة الاستثنائية واضحة المظاهر ليس فحسب لصدوره من هيئة قضائية تتمتع بالصفة القضائية التي تخولها ولاية القضاء وسلطة إصدار أحكام قضائية وإنما لكون العمل الذي تباشره تلك الهيئة بصدد نظرها التظلم من الحكم البات يعد عملاً قضائياً تقوم به بما لها من سلطة قضائية وأن الأحكام الصادرة منها تقرر مراكز قانونية تحوز حجية الامر المقضي به بالمعنى الفني الدقيق وتعمل على تحقيق القانون ونفاذه وتباشر إصدارها وفق إجراءات تجد سندها في نصوص القانون بما لها من سلطة قضائية لا بما لها من سلطة ولائية مثله مثل غيره من الأحكام القضائية، كما أن اختلاف تشكيلها ونظامها القانوني عن القضاء العادي لا يعني أن طبيعة عملها يختلف عن طبيعة عمل القضاء العادي كون اختلاف بنائه ونظامه القانوني إنما يبرره الدور المتميز له داخل الوظيفة القضائية. ولذلك وإعمالاً لما تقرره القاعدة الأصولية من أن العام يعمل بعمومه حتى يرد الدليل على تخصيصه فإن عموم مصطلح (العمل القضائي) الذي استعمله المشرع في المادة (٥٥) مرافعات بشأن تحديد المحل الذي يرد عليه جزاء الانعدام ينصرف إلى الحكم الصادر من هيئة السبعة الاستثنائية باعتباره عملاً قضائياً فهو يُعد بمثابة حكم بمعناه الخاص يحوز حجية الأمر المقضي به شأنه شأن غيره من الأحكام القضائية، كما أنه لا وجود لأي نص قانوني يمنع سلوك طريق الانعدام بشأن الأحكام الصادرة من هيئة السبعة الاستثنائية.

2- إن المشرع اعتبر الولاية شرطاً من شروط تمتع العمل القضائي بحجية الأمر المقضي به، ومقتضى ذلك أن الحكم الصادر من هيئة السبعة الاستثنائية لا يحوز حجية الأمر المقضي به إذا اشترك فيه شخص ليس له ولاية في إصداره أو بعد زوال ولايته بالعزل أو الاستقالة أو النقل إلى وظيفة غير قضائية، وبالتالي فلا يمكن القول بتحصن مثل ذلك الحكم الذي لم يحز حجية الأمر المقضي به.

3- إن تطبيق جزاء الانعدام على الأحكام الصادرة من هيئة السبعة الاستثنائية يتماشى مع فلسفة قانون المرافعات، فإذا كان المشرع اليمني في قانون المرافعات قد قرر جزاء الانعدام على الأحكام القضائية الصادرة من الهيئات القضائية العادية إذا فقدت ركناً من أركان وجودها فإنه من باب أولى أن يقرر الانعدام على الأحكام الصادرة من الهيئات القضائية الاستثنائية، حيث أن الغاية التي قصد المشرع تحقيقها من وراء تقرير جزاء الانعدام بنص قانوني بحيث يجب أن يستجيب ذلك الجزاء لهدف النظام الإجرائي الذي يعمل به هي ضمان حسن سير المنظومة الإجرائية على نحو صحيح بعيداً عن المخالفات الجسيمة التي تجرد العمل من وجوده القانوني عند تخلف ركن من أركانه الأساسية اللازمة لوجوده، وهذه الغاية متحققة في كافة الأحكام القضائية أيا كانت الهيئة مصدرتها وأيا كانت مرحلة اصدارها بما في ذلك الأحكام القضائية الصادرة من هيئة السبعة الاستثنائية وذلك لاتحاد العلة وهي العيب الجسيم الذي يفقد العمل صفته ووجوده.

4- إن القول ببقاء الحكم الصادر من هيئة السبعة الاستثنائية إذا جاء مجرداً من أركانه الأساسية اللازمة لوجوده القانوني لا يتفق مع المصلحة العامة ومع هيبة القضاء كون أن مثل ذلك الحكم من شأنه المساس بحجية أحكام قضائية باتة والنيل من هيبة القضاء وانتهاك مبدأ الاستقرار القضائي بل وإهدار النظام القانوني للدولة ككل، كما أن التظلم من الحكم البات أمام رئيس الجمهورية يعد طريقاً استثنائيا كون الأصل العام من الناحية القانونية أنه لا سبيل إلى الطعن في الأحكام الباتة الحائزة لحجية الأمر المقضي به وهي عنوان الحقيقة فلا سبيل إلى مراجعة قضاء محكمة النقض باعتبارها جهة القضاء العليا وخاتمة المطاف في مراحل التقاضي وأحكامها باتة لا سبيل للطعن فيها.

وترتيباً على ذلك يُعد عملاً قضائياً يرد عليه جزاء الانعدام الاحكام الصادرة من هيئة السبعة الاستثنائية المنوط بها الفصل في التظلم من الأحكام الباتة؛ وذلك باعتبار مثل ذلك الحكم يعد عملاً قضائياً، وتعتبر بمثابة حكم بمعناه الخاص يحوز حجية الأمر المقضي به شأنه شأن غيره من الأحكام القضائية، وتصدر بناءً على الوظيفة القضائية للهيئة القضائية وليس بناءً على الوظيفة الولائية.

على أن يراعي رئيس المحكمة العليا في تشكيل الهيئة القضائية المنوط بها الفصل في دعاوى الانعدام المتعلقة بالأحكام الصادرة من هيئة السبعة الاستثنائية أن تكون تلك الهيئة مشكلة من سبعة قضاة.

Loading