كتابات

الفصل التعسفي العمالي (3-3)

قراءة تحليلية متأنية لتنظيم المشرع اليمني للعمل

 

تناولنا في الجزء الأول والثاني من هذه القراءة بعض الحالات التي يكون فيها الفصل للعامل تعسفياً وفي هذا الجزء نستكمل بقية الحالات التي يكون فيها الفصل تعسفياً وما ينتج عنه من ضرر ومعايير تقدير الضرر وجبره وذلك على النحو التالي:

كما قد يكون الفصل تعسفياً عندما يفصل صاحب العمل العامل بعد قبوله وتقديمه خدمات متحججاً بعدم استيفائه للشروط القانونية للعمل، متناسياً ان ذلك يقع على عاتق صاحب العمل قبل قبوله تشغيل العامل لديه.

انهاء صاحب العمل للعقد:

أيضاً قد نكون أمام فصل تعسفي عندما ينهي صاحب العمل العقد مع العامل بسبب عمل الأخير بأجر لدى غيره في وقت تمتعه بأي اجازة من الاجازات المدفوعة الأجر دون ان يقتصر على الجزاء الذي رتبه القانون في المادة (89) من قانون العمل والتي نصت على: (يحظر على العامل ممارسة أي عمل بأجر اثناء تمتعه بأي اجازة من الاجازات المدفوعة الاجر المنصوص عليها في هذا القانون، ولصاحب العمل في حالة ثبوت اشتغال العامل ان يسترد ما أداه من اجر عنها شريطة ان لا يؤدي ذلك الى انهاء خدمة العامل).

المضايقة للعامل:

وقد يكون الفصل تعسفياً وذلك عند اتخاذ صاحب العمل تجاه العامل اي اجراء يقصد به مضايقته ما يدفع الاخير الى ترك العمل  ، فهنا نكون امام فصل تعسفي غير مباشر بمفهومه الواسع ، ولذلك نصت المادة (797) من القانون المدني على: ( اذا دفع رب العمل بتصرفاته العامل الى فسخ عقد العمل وعلى الأخص بمعاملته معاملة جائرة او لمخالفته شروط العقد يكون هو في الظاهر الذي أنهى العقد تعسفياً ولا يعتبر نقل العامل الى مركز اقل ميزة او ملاءمة من المركز الذي كان يشغله كذلك اذا ما اقتضته مصلحة العمل ولكنه يعتبر كذلك اذا كان الغرض منه الإساءة الى العامل ) ، وبإمكاننا التمثيل لحالات أكثر وضوحاً لهذه المادة، وذلك بالحالات التي وردت في المادة (35 ) من قانون العمل في فقرتها الثانية.

الخلاصة:

اي تصرف من صاحب العمل تجاه العامل يتسبب له بضرر وينهي العقد معه تعسفاً دون اي سبب او مبرر شرعي او قانوني، نكون حينها امام فصل تعسفي يستوجب من صاحب العمل تعويض العامل بعد ان يثبت الاخير الضرر الذي اصابه نتيجة انهاء صاحب العمل العقد معه تعسفاً.

معايير تحقق الفصل التعسفي:

كل ذلك يتضح معه يقيناً ومؤكدا ًان نص المادة (39) أطلق من معيار تحديد تحقق الفصل التعسفي تحت سقف تحقق الضرر، والدليل عبارة (عما لحقه من ضرر بسبب انهاء العقد من جانب صاحب العمل بصورة تعسفية)، فأي ضرر يصيب العامل بسبب انهاء صاحب العمل العقد دون مبرر شرعي او قانوني يعد ناتجاً عن فصل تعسفي.

وبالرجوع الى المادة (39) سالفة الذكر يتضح انها ساوت صراحةً بين الفصل التعسفي من حيث الأثر والنتيجة وبين حالات انهاء العقد من جانب العامل دون اشعار كتابي منه لصاحب العمل والمحددة في المادة (35/ثانياً) بالحالات التالية:

1- إذا كان صاحب العمل او من يمثله قد ادخل الغش على العامل عند ابرام العقد فيما يتعلق بشروط العمل.

2- إذا ارتكب صاحب العمل او من يمثله امراً مخلاً بالآداب نحو العامل او أحد افراد اسرته.

3- إذا وقع من صاحب العمل او من يمثله اعتداء على العامل.

4- إذا كان هناك خطر جسيم يهدد سلامة العامل او صحته بشرط ان يكون صاحب العمل قد علم بوجود هذا الخطر ولم يقم بتنفيذ التدابير المقررة او التي تفرضها الجهة المختصة في الموعد المحدد لها.

5- إذا لم يقم صاحب العمل بالوفاء بالتزاماته المحددة في العقد تجاه العامل.

6- إذا غير صاحب العمل مهنة العامل تغييراً جوهرياً دون موافقته.

وبالطبع تحقق كل أو بعض تلك الحالات يستلزم من العامل الاثبات بكافة طرق الإثبات لينطبق عليه ما ينطبق على الفصل التعسفي من ناحية الأثر والنتيجة.

معايير تحديد مقدار التعويض

ويبقى السؤال الأهم ماهي معايير تحديد مقدار التعويض للفصل التعسفي؟!

بالرجوع الى  المادة (39) يتضح انها لم تحدد او توضح او توجب على اللجنة التحكيمية العمالية معايير محددة تستند اليها  واكتفت بإيراد حد اقصى على اللجنة التقيد به وذلك بأن لا يتجاوز أجر العامل مدة ستة أشهر، افتراضاً من المشرع ان اي ضرر سيجبر بما لا يتجاوز اجر ستة اشهر للعامل ، اي ان القانون اعطى المحكم سلطة تقديرية وقيدها بحد اعلى، ولكنه في ذات الوقت لم يلزمه بالأخذ بمعايير محددة ما يعني انه اعطاه سلطة مطلقة في الاستناد على اي معايير دون الزامه ببيانها في حيثيات حكمه، الامر الذي يمكننا من خلاله  القول اننا امام سلطة تقديرية مطلقة معيارياً مقيدة  بالحد الاعلى أجرياً .

وكل ذلك نختلف مع المشرع ، حيث انه من الأفضل أن يُترك مقدار تحديد التعويض للمحكم العمالي وفقاً للقواعد العامة كأي ضرر ، والذي قد يختلف مراكز الضار والمضرور في أي علاقة ،فمن باب اولى ان يكون الأمر كذلك في العلاقة العمالية كون العامل هو الطرف الضعيف ، كذلك ان اجر ستة اشهر قد يناسب من كان اجره مرتفعاً اما من كان اجره منخفضاً وحجم الضرر الذي أصابه كبير فلن يغنيه او يسمنه من جوع اجر ستة اشهر  ، وهو ما نرجوه من مشرعنا الأخذ به بعين الاعتبار انسجاماً مع العدالة التي لا تجيز وضع حد اعلى للقاضي في تحديد مقدار التعويض كأصل عام مسلم به في مختلف التشريعات ، وذلك لاختلاف  جسامة  وحجم الضرر من مضرور لآخر، مع وجوب الزام اللجنة بتحديد المعايير التي تستند اليها في اقرارها لتعويض العامل عن الفصل التعسفي وعدم ترك السلطة لها مطلقاً منحازةً لصف صاحب العمل ذي النفوذ والمركز الأقوى في العلاقة العمالية.

وهذا ما سينسجم مع نص المادة (مدني/796) والتي تنص على: (يجوز لكل من طرفي عقد العمل فسخه إذا كانت مدته غير معينة بالاتفاق او بنوع العمل او بالغرض منه مع مراعاة المهلة التي يجب عليه إخطار ال طرف الآخر بها قبل الفسخ.

وإذا لم يراع الطرف الذي فسخ العقد إخطار الطرف الآخر في الميعاد أو فسخ العقد قبل انتهاء المهلة لزمه ان يعوض الطرف الآخر بمقدار أجر المهلة أو المدة الباقية منها شاملاً جميع الملحقات التي تعتبر جزءاً من الأجر وإذا انطوى الفسخ على تعسف أصاب الطرف الآخر بضرر لزم من فسخ العقد فيهاً تعسفياً تعويض الطرف الآخر فوق أجر المهلة أو ما بقي منها بمقدار ما أصابه من ضرر.

ويعتبر الفسخ تعسفياً إذا حصل في وقت غير مناسب وبدون مبرر ولا يعتبر مبرراً كثرة الديون التي التزم بها العامل للغير او الحجوز التي وقعها الغير على أجر العامل).

هذه المادة في القانون المدني أقرت ضمناً الشرط الأفضل للعامل الذي صّرح به قانون العمل في اكثر من مادة وكذلك ضمناً في مواد أخرى ، وهذا الشرط ينفي القول بأن المادة (39/عمل ) تقدم على المادة ( 796/مدني) السالفة الذكر اي لا مجال للقول بأن الخاص يقدم على العام ، ولكن مع الأسف الشرط الأفضل للعامل أو كما يسميه البعض شرط المحاباة مغيب تماماً في الواقع القضائي كما كان حال يوسف في الجب، رغم ان مشرعنا اليمني أقر واعترف به صراحةً وضمناً في كلٍ من قانوني العمل والمدني ، لذلك تقدمنا بالمقترحات السابقة لتضمن صراحةً في نصوص قانون العمل وليقطع اي مجال للتحايل او ظلم العامل وفصله تعسفياً دون ان يجد تعويضاً يُلائم جبر ضرره الأدبي( المعنوي) أو المادي.

اما الحديث عن الشرط الأفضل للعامل وكيف نظمه المشّرع اليمني، فإنه لا مجال للحديث عنه في هذه الدراسة المختصرة المخصصة للحديث عن الفصل التعسفي، وان شاء الله سيكون لنا وقفة للحديث عن الشرط الأفضل في موضوع مستقل.

ومن خلال مطالعتنا لعدد من الاحكام العمالية تبين لنا استنتاجات لعدد من المعايير التي قد تأخذ بها اللجنة وكذلك أوردنا بعضاً منها على سبيل المقترحات ، وكل ذلك بعد أن يثبت العامل اصابته بضرر نتيجة فصله تعسفياً من قبل صاحب العمل ، وله الرجوع الى القواعد العامة والقانون المدني وكافة طرق ووسائل الإثبات لإيضاح وإثبات تحقق الضررين المادي والمعنوي عليه ، وهذا ما ذهب اليه الطعن رقم (128) لسنة (1422ه) جلسة (2002/1/15م) فقد أقر أن:( على المدعي اتباع طرق الإثبات المحددة في القانون وبيان عناصر الضرر )، وكذلك قانونا العمل والمدني والقواعد العامة. 

المعايير التي تأخذ بها اللجنة التحكيمية العمالية

لعل أبرز المعايير التي تأخذ بها اللجنة التحكيمية العمالية التالي:

1- مقدار أجر العامل.

فمن اجره منخفض ليس كمن أجره مرتفع.

2- حجم الآثار المعنوية -النفسية- التي اصابت العامل.

فمن فُصل بمفرده ليس كمن فُصل مع مجموعة من العمال، ومن فصل نتيجة تقصير منه ليس كمن لم يقصر في اداء واجباته على الإطلاق.

3- طريقة الفصل.

فمن فُصل بطريقة لائقة مثلاً كمنعه من دخول المنشأة وإشعاره، ليس كمن طُرد او شُهر به أمام الجميع ودون إشعاره.

4- عدد مرات الفصل السابقة.

فمن فُصل وتمت إعادته من قبل ليس كمن فُصل لأول مرة.

5- نوع العمل.

فمن يعمل في مجال النظافة أو الحراسة ليس كمن يعمل في مجال الإدارة.

6- فوات فرصة عمل.

فمن وجد فرصة عمل بعد فصله ليس كمن ظل بدون عمل، ومن عُرض عليه فرصة عمل الا انه رفضها وقرر البقاء في عمله الذي فُصل منه تعسفاً لاحقاً، ليس كمن لم يُعرض عليه أي فرصة عمل.

7- الوضع المادي.

فمن له قدرة مادية وهو يطالب بحقه أمام القضاء ليس كمن ليس له قدرة ولكنه اضطر للجوء الى القضاء بسبب تعنت صاحب العمل عن منحه حقه.

8- الاعالة.

فمن لا يعول الا نفسه ليس كمن يعول اسرة، ومن يعول اسرة صغيرة ليس كمن يعول اسرة كبيرة، ومن يعول اسرة بها معاقون او امراض او متعلمون ليس كمن يعول اسرة بها اطفال او بها أكثر من عائل، ومن لديه منزل ليس كمن هو مستأجر، ومن ملتزم بتكاليف دراسته أو أي التزام ليس كمن ليس ملتزماً او لا يتعلم.

9- ظروف العلاقة العمالية (مدى الالتزام بالحقوق والواجبات الناشئة عن علاقة العمل).

فمن تفاني لصاحب العمل ليس كمن قصر في اداء ما عليه اثناء فترة العمل.

10- فترة العمل.

فمن عمل فترة طويلة في خدمة صاحب العمل ليس كمن عمل فترة قصيرة.

11- حصول العامل على حقوقه.

فمن حصل على حقوقه أو غالبيتها خلال فترة عمله ليس كمن لم يحصل عليها أو حصل على قليل منها فقط.

12- المعاملة.

فمن تعرض لمعاملة تمييزية اضطهادية مقارنة بمعاملة زملائه ذات المرتبة الوظيفية الواحدة وذات المؤهلات، ليس كمن لم يمارس في حقه اي تمييز أو اضطهاد.

-13 الحالة الاجتماعية.

فمن هو متزوج ليس كمن لم يتزوج ولا يتحمل مسئولية.

والعديد من المعايير التي تستند إليها اللجنة وفقاً لما يُعرض أمامها وما يتضح لها.

كل ذلك مع التأكيد أن التعويض عن الفصل التعسفي لا يخل بحق العامل في حصوله على بقية حقوقه الاخرى المقررة له بقوة القانون، وذلك يفهم من نص المادة (39) وتحديداً عبارة (وذلك بالإضافة الى ما يستحقه من اجر مقرر عن فترة الاشعار وسائر المستحقات الأخرى المنصوص عليها في هذا القانون وتشريعات العمل المنفذة له).

ولكن هناك سؤال يضع نفسه وهو: في حالة إذا ما حكمت اللجنة تعويضاً لا يساوي حجم الضرر الذي تعرض له العامل، هل للأخير الطعن في حكمها؟!

الواضح كما سبق بيانه أن القانون لم يلزم اللجنة التحكيمية العمالية بمعايير تتخذها عند تحديد مقدار التعويض عن الفصل التعسفي، لذلك من وجهة نظرنا ليس للعامل الطعن في حكمها بشأن مقدار التعويض ولكن له الطعن في حال اذا لم يُحكم له بأي تعويض مع انطباق الفصل التعسفي عليه او الحالات التي تأخذ حكمه ، فالمشرع في العمالي لم يجعل حال المحكم العمالي كحال القاضي الجنائي الذي بالرغم من ان له سلطة تقديرية في موضوع القضية المعروضة عليه لا معقب عليه الا ان المشرع قيد سلطته بما يُعرض عليه من أدلة اثناء نظر القضية ومتى كان قضاؤه قائماً على أسباب سائغة لها أصل ثابت في الأوراق وتؤدي الى النتيجة التي انتهت اليها ، وذلك كله ما لم يقل به المشرع العمالي  ومالم يلزمه على لجنة التحكيم العمالية.

أخيراً:

تستحضرني مواقف حدثت معي سأذكرها للقارئ الكريم على سبيل الفكاهة بعد أن كان محتوى الدراسة ثقيلاً شيئًا ما ، ففي احدى المرات  كنت أمثل طرف العامل في التقاضي ، حيث كان قد تعرض لفصل تعسفي وقد طالبت له في الدعوى بتعويضه عن الفصل التعسفي ، وقد رد محامي رب العمل على الدعوى بالدفع بالجهالة بغية اطالة أمد النزاع وارضاءً لموكله رب العمل هذا هو المفترض لا ان يكون يجهل فعلاً ، وجاء في دفعه : ( أن دعوى العامل مجهولة كونه لم يحدد من الذي قام بفصله تعسفياً !!) ، فما كان مني إلا أن عقبت عليه بالقول: ( حقيقةً ان ما اثاره الزميل في دفعه من سؤال بشأن من الذي فصل موكلي العامل تعسفياً واعتبره جهالةً في الدعوى ، لهو سؤال أعجز عن الإجابة عليه واترك اجابته لعدالة  اللجنة الموقرة وفي ذات الوقت أوجه سؤالاً للزميل محامي رب العمل وللجنة التحكيم الموقرة وهو :  اذا كانت العلاقة العمالية تتمثل بطرفين هما العامل ( الطرف الضعيف) ورب العمل ( الطرف القوي ) ودعوانا موجهة للمدعى عليه رب العمل فيا ترى من الذي قد يكون فصل موكلي العامل تعسفياً ، هل مثلاً سيكون زميله ؟!).

 

Loading