كتابات

قاعدتا الأثر الرجعي والأثر الفوري في القانون الجنائي

المحامية/ نسمة عبد الحق عبد الله

تنص المادة (47) من الدستور اليمني على أن: (المسئولية الجنائية شخصية ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على نص شرعي أو قانوني وكل متهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي بات، ولا يجوز سن قانون يعاقب على أي أفعال بأثر رجعي لصدوره).

جاء الدستور اليمني بمبدأ الأثر الفوري للنص العقابي وحرم تشريع أي نص عقابي يعاقب على أفعال سابقة لصدوره وهو ما يظهر جلياً من خاتمة نص المادة (47) سالفة الذكر، وهذا النص جاء صراحةً يفصح ويقر مبدأ الأثر الفوري للنص العقابي ويحرم ويجرم مبدأ الأثر الرجعي لأفعال سابقة على تشريع النص العقابي وهو ما ذهبت إليه المادة (4) من قانون الجرائم والعقوبات تحت عنوان: (رجعية القانون الأصلح) والتي تنص على أن: (يطبق القانون النافذ وقت ارتكاب الجريمة على أنه إذا صدر قانون أو أكثر بعد وقوع الجريمة وقبل الفصل فيها بحكم بات يطبق أصلحها للمتهم وإذا صدر قانون بعد الحكم البات يجعل الحكم الذي حكم على المجرم من أجله غير معاقب عليه يوقف تنفيذ الحكم وتنتهي آثاره الجزائية، ومع ذلك إذا صدر قانون بتجريم فعل أو امتناع أو بتشديد العقوبة المقررة له وكان ذلك في فترة محددة فإن انتهاء هذه الفترة لا يحول دون تطبيقه على ما وقع خلالها)، والملاحظ أيضاً من هذه المادة أنها قد تضمنت المبدأين الجنائيين وهما الأثر الفوري والأثر الرجعي .

ومبدأ الأثر القوي أو المباشر تضمنه أيضاً قانون الإجراءات الجزائية مع الاستثناء منه وتحديداً المادة (18) التي نصت على: (1- يسري قانون الإجراءات الجزائية فور نفاذه بأثر مباشر على كل عمل إجرائي يتخذ ولو كان بشأن جرائم وقعت أو دعاوى رفعت أو تنفيذ أحكام صدرت قبل تاريخ العمل بهذا القانون،2- يُستثنى من الأثر المباشر ما يلي: أ- إذا صدر قانون يعدل من إختصاص المحكمة دون أن يلغيها وكان تاريخ العمل به لا حقاً على انتهاء المرافعة الختامية، فإن الدعوى الجزائية تظل من إختصاص المحكمة السابقة، ب- مع مراعاة ما نص عليه هذا القانون تبقى المواعيد خاضعة للتشريع الذي بدأت في ظله).

كما جاءت المادة (19) من قانون الإجراءات الجزائية بالنص على المبدأين الجنائيان محل الموضوع، فنصت في فقرتها الأولى على مبدأ الأثر الفوري كأصل وبما نصه: (1- كل عمل إجرائي تم صحيحاً في ظل قانون معمول به يستمر قائماً) أي أنه لو صدر قانون جديد فأنه يكون ذا أثر فوري مباشر لأي عمل إجرائي لم يتخذ بعد، أما الذي سبق اتخاذه فإنه يظل صحيحاً وقائماً لصدوره في ظل قانون سابق بأثر فوري مباشر زمن اتخاذ العمل الإجرائي الذي تم صدوره، ثم جاءت المادة ذاتها في فقرتها الثانية والثالثة بالنص على مبدأ الأثر الرجعي كاستثناء وبما نصه: (2- تخضع طرق الطعن في الأحكام للقانون المعمول به وقت صدور الحكم مالم يكن التشريع الجديد أصلح للمحكوم عليه فيكون هو واجب الاتباع، 3- تسري القواعد الخاصة بالتقادم إذا كانت أصلح للمتهم على كل تقادم بدأ قبلها ولم يكتمل) وهاتان الفقرتان تؤيدان ما ذهبت إليه المادة (4) من قانون الجرائم والعقوبات السالف ذكر نصها، والملاحظ أن الفقرتين آنفتي الذكر جاءت حماية للمتهم بغض الطرف من أن الفقرة الثانية قد نصت بالقول: “أصلح للمحكوم عليه” فأغلب الحالات يكون المحكوم عليه هو المتهم .

ومبدأ الأثر الرجعي المطبق على قاعدة: “الأصلح للمتهم” لم يأت إلا ترجمة للعديد من الضمانات التي نص عليها الدستور، فالمتأمل في نصوص الدستور وقانوني العقوبات والإجراءات الجزائية سيلاحظ أن جميعها قد حوت العديد من المبادئ والضمانات لصالح المتهم، مثل (الأصل في الإنسان البراءة، الشك يفسر لمصلحة المتهم، إفلات متهم من عقاب خير من إدانة بريء، ولأن يُخطئ القاضي في العفو خير من أن يُخطئ في العقوبة) والعديد من المبادئ التي تقف لجانب المتهم كونه يكون في وضع غير طبيعي فأصابع الاتهام قد أشارت إليه وأصبح في وضع لا يحسد عليه وكان لا بد له من ضمانات قانونية تضمن له إبداء وإثبات براءاته وفي حال عجزه عن ذلك وتم إدانته بحكم قضائي بات بارتكاب جرم معاقب عليه قانونيا فإنه بذلك يكون قد خرج عن فطرة الإنسان السليمة السوية، لذلك تطبق عليه العقوبة ليس انتقاما وإنما ردعاً وزجراً وجبراً للمجني عليه أو أولياء دمه وللمجتمع ككل إن كانت الجريمة تمس النظام العام للمجتمع، كما أن العقوبة تستهدف التأهيل والإصلاح للجاني حتى يعود للمجتمع بعد إنهاء عقوبته المقررة قانوناً فرداً سوياً صالحاً لأن يضع بصمته في المجتمع لتنميته وازدهاره وقادراً على تحمل مسئولياته تجاه نفسه وأسرته والمجتمع من حوله.

Loading