إثبات إعسار المدين وإيساره
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء
▪ من الإشكاليات العملية مسألة إثبات إعسار المدين وإيساره، حيث يدعي المدين الإعسار، فيقابل الدائن تلك الدعوى بالادعاء المقابل بإيسار المدين، وقد أشار الحكم محل تعليقنا إلى أنه ينبغي على من يقابل دعوى الإعسار بدعوى الإيسار أن يقدم الأدلة على يسار المدعي بالإعسار حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 25-8-2015م، في الطعن رقم (57087)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم الابتدائي أنه: ((فقد تبين لنا أن المدعي بالإعسار قد صدر ضده أمر أداء من محكمة… بإلزامه بدفع مبلغ…. لطالبة الأمر….، وقد تم سجن المدين من قبل المحكمة بناءً على طلب الدائنة، وفي اثناء ذلك تقدم المدعي بطلب الحصول على حكم إعسار لأنه فقير متربة وغير قادر على دفع المبلغ، وقد تقدمت الدائنة بطلب إثبات إيسار المدعي إلا أنها لم تقدم دليلاً على ذلك، وبما أن المدعي بالإعسار قد تقدم بشاهدين أثبتا إعسار المدعي بالإضافة إلى مذكرة عضو المجلس المحلي التي تضمنت الإفادة بأن المدعي معسر، مما يجعل دعوى الإعسار مبينة بموجب الدليل الشرعي، ولذلك فقد حكمت المحكمة بقبول الدعوى شكلاً وموضوعاً والحكم بإعسار المدعي استناداً إلى المادة (365) مدني))، وقد أيدت الشعبة الاستئنافية الحكم الابتدائي، وبعدئذ أقرت الدائرة المدنية الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: ((وحيث أن ما أثارته الطاعنة في غير محله ذلك أن الثابت من الحكم الاستئنافي المطعون فيه أن الشعبة قد ذكرت في أسباب حكمها أن المستأنفة لم تقدم أي شيء جديد أمامها سوى ما سبق لها إثارته أمام المحكمة الابتدائية وإن ما ذكرته في استئنافها أنها ستقدم ما يثبت إيسار المطعون ضده إلا أنها لم تقدم ذلك، وعليه فإن الحكم المطعون فيه قد استقام دليله الشرعي في الإثبات من شاهدين عدلين خالية شهادتهما من الجرح مشهود بعدالتهما، وبذلك فإن الشعبة الاستئنافية تكون قد اصابت فيما قضت به في منطوق حكمها المطعون فيه من تأييدها للحكم الابتدائي وبررت لذلك بأسباب سائغة وعلى سند من الأوراق والقانون))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: معنى الإعسار والإيسار:
▪المعسر في اللغة: هو المعدم أي عديم المال فهو معدم، وعرفت المادة (359) مدني المعسر بأنه: (من لا يملك شيئاً غير ما استثنى له مما لا يجوز الحجز عليه أو بيعه مما يحتاجه من مسكن وثياب صالحين لمثله وآلة حرفته إذا كان ذا حرفة وكتبه إذا كان ذا علم، وقوته وقوت من تلزمه نفقته من الدخل إلى الدخل، والمفلس من لا يفي ماله بديونه)، وهذا التعريف واضح ومفصل، والموسر حسبما ورد في المادة (359) مدني هو من يفي ماله بديونه أو يزيد عليها- اي ان الموسر هو ما زاد ماله عن حد حاجته من الأموال السابق ذكرها التي لا يجوز الحجز عليها.
الوجه الثاني: إثبات الإعسار والإيسار:
▪ حدد القانون المدني كيفية إثبات الإعسار، وفي هذا الشأن نصت المادة (363) على أنه: (من كان ظاهر حاله الإعسار قبل قوله بيمينه ويحلف كلما ادعى إيساره ومضت مدة يمكن فيها الإيسار عادة)، فقد صرحت هذه المادة بقبول قول المدين بأنه معسر متى دلت القرائن الظاهرة على أنه معسر، واشترطت المادة أن يحلف على أنه لا يملك غير الأموال السابق ذكرها في المادة (359) مدني المذكورة في الوجه الأول والتي لا يجوز الحجز عليها، ولأن بقاء الحال من المحال بما في ذلك حالة الإعسار فقد بينت المادة (363) مدني السابق ذكرها أنه بين الفترة الأخرى اذا ادعى أحد الدائنين أن المدين موسر فيلزم أن يحلف المدين على أنه لم يحصل على مال زيادة على أموال المعسر المشار إليها التي لا يجوز الحجز عليها خلال المنصرمة من يمينه السابقة، أي أن المدين المعسر يحلف كلما أدعى عليه دائن بأنه قد أيسر ومضت مدة من يمينه السابقة، حسبما ورد في النص السابق، هذا إذا كان ظاهر الشخص الإعسار ودلت القرائن على ذلك، أما إذا التبست حالة المدين فلم تظهر عليه دلائل الإعسار أو اليسار، فقد بينت حكم ذلك المادة (364) مدني، التي نصت على أنه: (إذا التبس الأمر بين إيسار الشخص وإعساره تسمع البينة على إيساره أو إعساره ويرجح الحاكم وتقدم البينة المثبتة على النافية)، فقد أجاز هذا النص للمدين أن يثبت إعساره وفي المقابل أجاز النص للدائن أن يثبت أن المدين مدعي الإعسار موسر، وإذا تعارضت البينات في هذه الحالة، فإن القاضي يرجح أدلة المثبت على أدلة النافي حسبما ورد في النص السابق، فالواقع ان المدين هو الذي يقوم برفع دعوى الإعسار، ولذلك فهو الملزم بإثبات اعساره، وفي مواجهة المدين المدعي بالإعسار يقابل الدائن أمام المحكمة ذاتها التي تنظر دعوى الاعسار يقابل الدائن دعوى الإعسار بدعوى الإيسار حيث يدعي الدائن بأن المدين موسر ويلزم الدائن في هذه الحالة ان يقدم الأدلة التي يستدل بها على إيسار المدين المدعي بالإعسار، وهذه المسألة هي التي أشار إليها الحكم محل تعليقنا حيث رجح دعوى الإعسار، لان المدعي بالإعسار قدم الأدلة المثبتة لدعواه في حين عجزت المدعية بإيساره عجزت عن تقديم أدلة الإيسار، ويتم إثبات الإعسار والإيسار عن طرق الإثبات المقررة كالشهادة والاقرار والقرائن، فقد اثبت المدعي بالإعسار اثبت إعساره عن طريق شهادة الشهود وافادة من المجلس المحلي، غير أنه ينبغي أن يكون الإثبات مفصلا فلا يكفي القول أن المدين فقير أو مسكين فينبغي القول: بأنه لا يجد اكثر من مسكنه أو قوته وقوت من يعول، وفي حالة إثبات الإيسار ينبغي أن يكون مفصلا بأن يقال: إن المدين لديه من الأموال ما يزيد على مسكنه وآلة حرفته وقوته وقوت من يعول وينبغي ان تذكر هذه الأموال الزائدة.
الوجه الثالث: الفرق بين نظام الإعسار المدني ونظام الإفلاس التجاري:
▪ نظام الإعسار المدني هو الذي نظمه القانون المدني في المواد من (359 إلى 365) وقد عرضنا بعض هذه النصوص فيما سبق، في حين أن نظام الإفلاس التجاري نظمه القانون التجاري، وقد استقر قضاء المحكمة العليا في اليمن على أنه لا يجوز للتاجر أن يتوسل بالإعسار المدني، وإنما عليه أن يلتزم بنظام الإفلاس التجاري المقرر في القانون التجاري، وقد سبق لنا التعليق على هذه المسألة، واللَّه أعلم.