كتابات

بالمخالفة لنص المادة (14) من قانون المرافعات رقم (40) لسنة 2002م والمعدلة بالقانون رقم (1) لسنة 2021م والمادة (11) من قانون التحكيم رقم (22) لسنة 1992م ممارسة القاضي للتحكيم في قضية منظورة أمام القضاء

د. صادق يحيى علي العري

*أستاذ قانون المرافعات والتنفيذ المدني

نصت المادة (14) على أنه يحظر على القاضي أو عضو النيابة أن يكون مفوضاً أو محكماً في قضية منظورة أمام القضاء، كما نصت المادة (11): لا يجوز للقاضي أن يكون محكماً في قضية منظورة أمامه حتى ولو طلب منه الخصوم أنفسهم ذلك، ولا يحق للقضاة أن يتفقوا على إحالة القضايا إلى بعضهم البعض للتحكيم فيها سواءً بصورة مباشرة أم غير مباشرة.

والسؤال الذي يطرح نفسه ما هو الجزاء الذي يترتب على مخالفة القاضي لنص المادة (14) مرافعات والمادة (11) تحكيم؟

للإجابة على هذا التساؤل نبين النص السابق قبل التعديل الأخير حيث كانت المادة (13) تنص على أنه يحظر على القاضي أو عضو النيابة أن يكون مفوضاً أو محكماً في قضية منظورة أمام المحكمة التي يعمل بها.

ثم عدلت بالنص السابق الذي كان موجوداً في القرار الجمهوري بالقانون رقم (28) لسنة 1992م، مادة رقم (13).

وكان المشرع اليمني في القرار بالقانون رقم (28) لسنة 1992م ينص في الفصل الثالث من الباب التمهيدي تحت عنوان: (ولاية القاضي وحدودها وانتهاؤها) وبالتحديد المادة رقم (15) على أنه يترتب على مخالفة الأحكام الواردة في هذا الفصل بطلان العمل.

وعندما قامت لجنة العدل والأوقاف بإعداد مشروع القانون رقم (40) لسنة 2002م قد جعلت الجزاء الانعدام بقولها: يترتب على مخالفة أي حكم وارد في هذا الفصل انعدام العمل القضائي، وكل ما يترتب عليه.

ولكن هذا التعديل لم يؤخذ على إطلاقه حيث جاء نص المادة رقم (15) بنصها الحالي: يترتب على مخالفة المواد (9، 11، 12، 13) من هذا الفصل انعدام العمل القضائي وكل ما يترتب عليه، فأخرجت نص المادة رقم (14) بمعنى أن حكم التحكيم الذي يصدر من القاضي بالمخالفة لنص المادة (14) مرافعات لا يكون منعدماً، لأنه صدر من ذي ولاية كون مصدر ولاية المحكم هو اتفاق التحكيم.

ولكن هل يعتبر حكم التحكيم الصادر من القاضي في قضية منظورة أمام القضاء باطلاً؟

ذهبت المحكمة العليا في أحد أحكامها إلى القول بأن مخالفة الحظر المنصوص عليه في المادة (11تحكيم والمادة 14مرافعات) يترتب عليه بطلان حكم التحكيم سواء كان القاضي محكماً فرداً أو عضواً في هيئة التحكيم، طعن رقم (30975 ـ ك مشار إليه في القواعد القضائية العدد 13، القاعدة رقم (120).

وهو ما قضت به محكمة استئناف القاهرة حيث قضت ببطلان حكم التحكيم موضوع الدعوى لبطلان تشكيل الهيئة التي أصدرته واستندت في ذلك إلى القول بأن مفاد المادة 68 مكرر من قانون مجلس الدولة الصادر بالقانون 47/1972 والمادة 63/1 من قانون السلطة القضائية عدم جواز تولي قاضي مجلس الدولة مهمة التحكيم قبل الحصول على إذن من المجلس الخاص بمجلس الدولة وأن أوراق الدعوى قد خلت مما يفيد سبق حصول رئيس هيئة التحكيم التي أصدرت الحكم الطعين على الإذن سالف البيان، القضية رقم 12/125 ق تحكيم جلسة 4/4/2010م، أما الفقه فقد اختلف حول ذلك حيث ذهب جانب من الفقه إلى أن مخالفة الحظر يترتب عليه بطلان حكم التحكيم بطلاناً متعلقاّ بالنظام العام في حالة عدم حصول القاضي على الإذن المطلوب. (د. أحمد أبو الوفا، التحكيم الاختياري والاجباري، ص 157).

وعكس ذلك يرى البعض أن هذا ليس من شأنه إبطال حكم التحكيم ما دام قد صدر صحيحاً، ولكن القاضي قد يتحمل مسئولية إدارية أو تأديبية من قبل الجهات القضائية المختصة لعدم حصوله على الإذن ومخالفة واجبات الوظيفة. (د. ابو العلا النمر، المركز القانوني للمحكم في حكومة التحكيم، ص 52)، وهو ما قضت به محكمة استئناف القاهرة في حكم حديث لها بقولها: “… ولا يفوت على المحكمة أن تشير الى أن تولى الوظيفة القضائية لا يمنع من قيام القاضي بدور المحكم خاصة أن عمل المحكم من الأمور التي تألقت بشكل كبير مع الوظيفة القضائية والرأي الذي تراه المحكمة أن مخالفة قانون السلطة القضائية ومباشرة القاضي التحكيم دون الحصول على موافقة جهة عمله لا يبطل في حد ذاته حكم التحكيم ولا يشكل مخالفة لتشكيل هيئة التحكيم طالما توافرت فيه الشروط الواجب توافرها في المحكم… (استئناف القاهرة، الدائرة السابعة، تجارى الطعن 10 لسنة 127 ق جلسة 4/1/2011م).

أما بالنسبة للنظام القضائي الفرنسي فقد أجاز للقضاة أن يعملوا محكمين مصالحين وأطلق عليهم لفظ: (القضاة المحكمون) وبذلك يعد القضاء الفرنسي ممن أيد فكرة أحقية القاضي في تولي مهمة التحكيم (2)، حيث ثار جدل فقهى واسع في بدايات النصف الثاني للقرن العشرين في مدى أهلية القاضي في تولى مهمة التحكيم حتى صدور المرسوم رقم 314 لسنة 1994 الصادر في 20 ابريل 1994م، بحيث نصت المادة (7) منه صراحة على “جواز أن يجمع القاضي بين وظيفته وأعمال التحكيم شريطة الحصول على تصريح بذلك من رئيس المحكمة لكل عملية تحكيم يشارك فيها” بشرط عدم تعارض ذلك مع استقلال القاضي وكرامة القضاء.

وكذلك فإن الشراح يجيزون أن يكون المحكم أحد قضاة المحاكم أو مستشاريها بل يجيز أن يكون المحكم هو ذات القاضي الذي عرض أمامه النزاع، حيث حكم في فرنسا جواز تعيين القاضي الجزئي محكماً مصالحاً فيكون حكمه غير قابل لأي طعن مهما كانت قيمة النزاع.

أما القانون الإنجليزي فإنه يجيز لقضاة المحكمة التجارية أو المحققين الرسميين ممارسة التحكيم كمحكم فرد أو كمحكم مرجح بشرط موافقة رئيس القضاء على ذلك، وهذا ما نصت عليه المادة 93/1 من قانون التحكيم الإنجليزي تحت بند تعيين القضاة كمحكمين وكذلك الفقرات 2، 3 من ذات المادة على أنه لا يمكن لقضاة المحاكم التجارية أن يقبلوا تعيينهم كمحكم فرد أو كمحكم مرجح إلا إذا أبلغهم رئيس القضاء، وأنه نظراً للعمل في المحكمة يمكنهم التفرغ لهذا الغرض.

ويرى اللورد (ماكنزي) أن القاضي لا ينبغي أن يشارك في التحكيم، أو أي نوع من الأعمال التجارية الأخرى لأن ذلك قد يؤدى الى إعاقة القضاة عن ممارسة أعمالهم بعدم قبولهم الطلبات المقدمة إليهم.

ومن جانبنا نرى أن مخالفة عدم بطلان حكم التحكيم، وذلك لأن بطلان حكم التحكيم فيه ضرر كبير على أطراف عقد التحكيم من حيث إعادة التحكيم وما يترتب عليه من ضياع للوقت والجهد والمال نتيجة أسباب ليس لهم فيها علاقة ولكن على الشخص المسؤول عن هذه المخالفة وهو القاضي أن يتحمل مسؤولية خطئه من خلال فرض عقوبة تأديبية مناسبة عليه دون الإضرار بالغير حسن النية، أضف الى ذلك أنه من الصعب على أطراف الخصومة التحكيمية معرفة أن هناك نصاً يمنع القاضي من التحكيم في قضية منظورة أمام القضاء، كما أن قانون التحكيم لم يتناول مسألة مسؤولية المحكم عن الأضرار التي لحقت بالأطراف.

كما أن حالات البطلان التي نظمتها المادة (53) ومنها الفقرة (ه) المتعلقة بتشكيلة هيئة التحكيم قد حصرت السبب في تشكيل الهيئة بالمخالفة لاتفاق التحكيم فقط كما أن تشكيل هيئة التحكيم لا يعتبر من الإجراءات غير الصحيحة التي نصت عليها الفقرة (ج) كون الإجراء عرف بأنه عمل قانوني يرتب عليه القانون أثراً إجرائياً ويكون جزءاً من الخصومة، وتشكيل الهيئة لا يعتبر جزءاً من الخصومة بل سابق عليها، أما بقية الحالات فلم يكن مخالفة القاضي لنص المادة (11) ضمن بقية حالات البطلان.

أضف إلى ذلك أن تقرير البطلان يتناقض مع طبيعة التحكيم التي تقتضي السرعة في الإجراءات، كما أن الغاية من الحظر هو عدم التأثير على سير القضايا المنظورة لدى القضاء وهذا ينظمه جزاءات تأديبية، لا تمس الحكم الصادر من القاضي.

Loading