الإمام زيد.. نهج وثورة لا تخمد
دينا الرميمة
ما من شك أن معظم التأريخ الإسلامي قد تم تغييبه وهو ما يقول به كثير من المؤرخين في العصر الحديث، لأن من كتبته هي أيدي متزلفة لحكام الأمويين في الغالب وبعض الأيادي غير المحايدة التي نقلت عنهم، وأن من حاول كتابة التأريخ الحقيقي سواء من شيعة آل البيت أو المؤرخين المحايدين كانوا إما في زنازين حكام بني أمية أو مطاردين.
ولأن بعض التأريخ لا يموت فقد استطاعت بعض الحقائق أن تعبر جدران السجون والزنازين وتكسر القيود حتى وصلت إلينا وإن كان ينقصها الكثير، ولهذا نلحظ غياب الكثير من الأحداث عن المناهج الدراسية لاسيما الثورات التي قام بها أعلام آل البيت ضد الطغاة من بني أمية، وإن ذكرت فلا تذكر إلا على استحياء مع إهمال كبير لأسبابها وأحداثها!!
وهنا على سبيل المثال نورد ثورة الإمام “زيد عليه السلام” الذي نعيش هذه الأيام ذكرى استشهاده، وبالتالي علينا أن نوضح أن هذه الثورة التي قام بها الإمام زيد بن علي ضد حكم هشام بن عبد الملك إنما هي امتداد لثورة الإمام الحسين عليه السلام ضد الطاغية يزيد بن معاوية التي قوبلت بالخذلان من قبل أمة جده وهو الذي لم يخرج إلا لإصلاح أمرها، بعد أن رأى ما وصلت إليه من حالة الاستعباد وما أصاب دين جده من التحريف من قبل حكام الأمويين وولاتهم الذين أسسوا من خذلان الحسين أركان إمبروطوريتهم، ومن رماد خيام الطف ودماء الحسين والشهداء من أقمار بيت النبوة بنوا القصور والإقطاعيات التي عجت بالظلم ورذيلات الأفعال التي دمرت كل قيم الدين المحمدي الأصيل واستبدلوه بدين أموي يتماشى مع مصالحهم وبراثن حقدهم على النبي الكريم وتوارثوا حقدهم على أهل بيته مع توارث كرسي الحكم وألجموا ألسنة الناس عن قول الحق وانتقاد الحاكم الظالم وصارت ألسنة كثير من العلماء لا تتحدث إلا بلسان الحاكم وسننه الجاثمات على صدر الأمة لسنوات طوال، حتى انهارت إمبروطوريتهم وجاءت بعدها دولة المروانيين.
المروانيون لم يكونوا أقل حقداً على الإسلام وآل بيت النبي صلوات الله عليه وآله وسلم من سابقيهم!! فحكموا الأمة بنفس السياسة القائمة على الظلم وتداولوا كرسي الحكم باسم الخلافة واحداً تلو الآخر ووصلت الخلافة المتوارثة إلى هشام بن عبدالملك الخليفة السادس من بني مروان الذي كان يهدّد بالقتل كُـلّ من يأمره بتقوى الله لدرجة أن يتطاول الروم على النبي ويسبون آل بيته في مجلسه دون أن ينزعج أَو أن يجرؤ أحد على أن ينهرهم، وفقاً لما ترويه بعض كتابات المؤرخين، في دلالة على مدى الخنوع والذل الذي أحاط بالأمة!!
إلا إن إرادة الله شاءت أن يصادف هذا العهد زمن الإمام زيد بن الإمام “زين العابدين” الحسين بن علي” عليهم جميعا ًالسلام!!
ومما روي أن النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم نظر ذات يوم إلى زيد بن حارثه فبكى وقال: “المقتول في الله المصلوب من أمتي المظلوم من آل الببت سميُّ هذا” وأشار إلى زيد بن حارثة، ثم قال: “أدنو مني يا زيد زادك اسمك عندي حباً فإنك سمي الحبيب من ولدي” في إشارة واضحة لدور ينتظره.
وبالتالي فالإمام زيد نشأ وتربى على يد أبيه السجاد بما يتناسب مع الدور المنوط به فرباه تربية إيمانية قائمة على الفضيلة والتقوى ومكارم الأخلاق المحمدية، فكان مميزاً منذ صغره وشديد الشبه بجده الإمام علي شجاعة وبلاغة وارتباطاً بالقرآن، فكان يخر مغشياً عليه عند تلاوته حتى سمي بـ “حليف القرآن”، هذا الارتباط جعله مستشعراً للمسؤولية تجاه أمة جده حاملاً همها حريصاً على إنقاذها مما وقعت فيه حتى قال: “والله ما يدعني كتاب الله أن أسكت”، هذا الارتباط الواعي والعملي والتطبيقي هو من جعله يثور على الظلم ثورتين، الأولى: ثورة وعي وبصيرة بدأت من الكوفة أرسل فيها دعاته يدعون الناس لبيعته وكان يقول في دعوته: أيها الناس إني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وإلى جهاد الظالمين والدفاع عن المستضعفين، وقسم الفيء بين أهله، ورد المظالم، ونصرة أهل البيت على من نصب لهم الحرب، وإلى إحياء السنن وإماتة البدع.
وعلى الرغم من الظروف الصعبة التي كانت تحيط به وبثورته إلا أن صوت الإمام زيد كان هو الصوت الأول الذي كسر ذلك الواقع، وحطم تلك القيود التي كبلت الأمة وأذلتها؛ تحرك بحركة متميزة بمنهجية القرآن والثقة بالله ومبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكان شديد التوجه بالنصح لعلماء الأمة يقول لهم: “إن الله قد احتج عليكم بما استحفظكم؛ إذ جعل الأمور ترد إليكم وتصدر عنكم، الأحكام من قبلكم تلتمس، والسنن من جهتكم تختبر، يقول المتبعون لكم: أنتم حجتنا بيننا وبين ربنا”.
ثم كانت الثورة الثانية: وهي ثورة السيف حيث استطاع أن يجمع حوله الكثير من أبناء الأمة استعداداً لخروجه ثائراً بالسيف الذي لم يكره حره موعدهم فيها الواحد من شهر صفر، ونتيجة العمل الاستخباراتي الأموي كشفت خطة الإمام زيد وبحثوا عنه وكانوا قريبين من اكتشاف مكانه، فاضطر إلى تعجيل الخروج في الثاني والعشرين من محرم منادياً لأصحابه بشعار: (يا منصور أمت)، إلا أنه طعن من ظهره كما طعن جده الحسين وخذله أصحابه ولم يستجب له من المبايعين إلا مائتان وثمانية عشر رجلاً!
فتحرك الإمام زيد بقلة الناصر والفئة القليلة من المؤمنين الذين تحركوا معه، تحرك ببطولةٍ وفداء كبيرين للإسلام واستبسال قل نظيره، وواجه اثني عشر ألف مقاتل من الجيش الأموي، وهزمهم من سكة إلى سكة حتى أصابه رمح في جبهته وأثناء إخراجه استقبل الشهادة!!
وحتى لا يصل الأمويون لجثمانه فقد دفنه أصحابه سراً إلا أن الامويين وصلوا إلى قبره فأخرجوا جثمانه الطاهر وقطعوا رأسه وطافوا به الأرجاء بكل وحشية وأما جسده فقد صلبوه عارياً في محاولة منهم لترهيب الناس من أن يحذوا حذوه، وعلى الرغم من تعاملهم الشنيع معه إلا أنهم كانوا يرون أثره باقياً، ولذلك وبعد أربع سنوات من الصلب أنزلوا جسده
وقاموا بإحراقه، ثم بسحقه، ً ثم ذروا جزءاً منه في نهر الفرات وجزءاً منه ذروه في مهب الريح، ظناً منهم أن ذلك سيغيب ثورته ومنهجه، إلا أن تلك الذرات أحيتها عاتيات الريح ثورات متقدة نراها في واقعنا في يمننا الحبيب الذي حمل نهجه وثار على طغاة العصر بثورته، ثورة نراها تنتصر جلياً على أعتى قوى الأرض متمثلة في أمريكا وإسرائيل وكل من تحالف معهم نصرة ليمنهم الحبيب ولغزة التي خذلتها أمة محمد التي ضلت وفيها الوصي وأبناؤه فكيف وقد سادها أبناء الفجور!!
وحدها اليمن وقائدها من قال هأنذا بما حملوه من منهج زيد الذي جعلهم لا يخافون في الله لومة لائم..
![]()

