بين الإلزام والمرونة.. ثنائية تطبيق جزاء “كأن لم تكن”
بين الإلزام والمرونة..
ثنائية تطبيق جزاء “كأن لم تكن”
الأستاذة/ وضحة أحمد حسن المراني*
في إطار التدرج التشريعي للجزاءات الإجرائية، يبرز جزاء “كأن لم تكن” كظاهرة قانونية تستحق التأمل، تقع بين صرامة القواعد الإجرائية ومرونة التطبيق القضائي. ورغم اتجاه بعض الفقه إلى اعتباره مجرد صورة من صور السقوط بالنظر لتشابه الآثار، إلا أن التحليل المتعمق يكشف اختلافاً جوهرياً في الفلسفة التشريعية الكامنة خلف كل منهج، حيث يمثل السقوط في كثير من تطبيقاته جزاءً قاسياً وحاسماً يقع بقوة القانون دون هوادة، في حين جاء “كأن لم تكن” كصورة مخففة ومرنة من هذا السقوط، تحمل في طياتها حكماً تشريعياً بالغ الدقة يجمع بين الثبات في بعض الحالات والمرونة في حالات أخرى. فبينما يفرض السقوط ذاته حكماً في حالات الإخلال الجوهري بالمواعيد أو الإجراءات، نجد المشرع قد منح القضاء سلطة تقديرية في تطبيق “كأن لم تكن” في صور أخرى، مما يطرح استفهاماً حول طبيعة هذا الجزاء: هل هو مجرد صورة من السقوط كما يذهب البعض، أم أنه أداة تشريعية ذكية وضعت للتخفيف من حدة هذا الجزاء الإجرائي؟ وهنا تكمن أهمية الموضوع لتحليل هذه الثنائية المدروسة بين القوة والمرونة، من خلال استقراء النصوص القانونية والآراء الفقهية، للكشف عن الحكمة التشريعية من جعل “كأن لم تكن” حلقة وسطى متعمدة في سلسلة الجزاءات، تسمح للقضاء بالتوفيق بين ضرورة احترام الإجراءات وعدم إهدار الحقوق، دون المساس بقدسية القواعد الإجرائية التي تعد ضمانة أساسية لسير العدالة.
ويُعد قانون المرافعات من القوانين الشكلية، حيث يشترط أن تُجرى الإجراءات وفقًا للأوضاع والشروط المنصوص عليها قانونًا. ويُمثل الجزاء الإجرائي الوجه الإلزامي للقاعدة الإجرائية، الذي يهدف إلى ضمان احترام الشكلية الإجرائية وعدم إهدارها. ومن ثمَّ، يلتزم الخصوم بمراعاة النموذج القانوني المعتمد لكل إجراء، سواء من حيث الترتيب أو التوقيت الزمني.
وتتدرج الجزاءات الإجرائية وفقًا لجسامة المخالفة المرتكبة؛ فكلما توافرت عناصر المخالفة واشتدَّت خطورتها، تشدد المشرع في فرض الجزاء المناسب. غير أن فكرة الجزاء الإجرائي– في جوهرها– لا تستهدف العقاب بقدر ما تُركز على تحفيز الأطراف على الالتزام بالضوابط الشكلية، مما يساهم في انتظام سير الخصومة، وترشيد وقت المحكمة وأطراف الدعوى، وتحقيق العدالة في الإطار الزمني المحدد (مسنيسا بن دياب، السياسة التشريعية في تنظيم الجزاء الإجرائي: بين مقتضيات النظام العام والمصلحة الخاصة” الدعوى الضريبية نموذجاً، مجلة أبحاث قانونية وسياسية، الجزائر، المجلد 5، العدد 1، سبتمبر 2020م، ص 70).
وبناءً على هذا الإطار النظري المتعلق بالطبيعة الشكلية للإجراءات وتدرج الجزاءات وفقًا لجسامة المخالفة، يبرز جزاء “كأن لم تكن” كصورة للجزاء الذي يجمع بين الصرامة والمرونة.
وجزاء” كأن لم تكن” هو الجزاء الذي يرتبه القانون للمخالفات الإجرائية التالية:
- عدم تجديد الدعوى من الشطب: فيقع الجزاء السابق في حالة عدم التجديد من الشطب، فإذا انقضى ميعاد الستين يوماً المنصوص عليها في المادة (112) من قانون المرافعات اليمني اعتبرت الخصومة “كأن لم تكن” بقوة القانون، ولا حاجة إلى صدور حكم في هذا الصدد وليس معنى وقوعه بقوة القانون أنه من النظام العام، بل يجب على المدعى عليه التمسك باعتبار الخصومة “كأن لم تكن” بدفع شكلي يبدى قبل التكلم بالموضوع وإلا سقط الحق في ذلك (محمد كمال عبد العزيز، تقنين المرافعات في ضوء القضاء والفقه، ج1، ط3، دون دار نشر، 1995م، ص502، مصطفى هرجة، دفوع وأحكام، دار الفكر والقانون، المنصورة، مصر، ص203).
- عدم تكليف المدعى عليه بالحضور: ووفقاً لنص المادة (104) من قانون المرافعات اليمني فإنه يجوز للمحكمة أو بناء على طلب المدعى عليه أن تقرر اعتبار الخصومة “كأن لم تكن” إذا لم يتم تكليف المدعى عليه بالحضور خلال ستين يوماً من تاريخ تقديم عريضة الدعوى.
- غياب المستأنف: “وإذا لم يحضر المستأنف في اليوم المحدد للجلسة الأولى فعلى المحكمة تحديد موعد جلسة تالية وتعلن المستأنف بالموعد الجديد إعلاناً صحيحاً وفقاً لقواعد الإعلان، فإذا لم يحضر في الجلسة التالية اعتبر استئنافه كأن لم يكن، وصار الحكم الابتدائي واجب التنفيذ وفقاً للقواعد العامة التي توجب على محكمة الاستئناف عند نظرها الخصومة اتباع القواعد المتعلقة بما هو مقرر أمام محكمة الدرجة الأولى فيما يتعلق بالحضور والغياب والمواعيد.” م( 289) من قانون المرافعات اليمني، (المحكمة العليا، طعن رقم( 51969-ك)، س 1435ه، ج 3/1/1435هـ الموافق 6/11/2013م، القواعد القانونية والمبادئ القضائية، مكتب فني، العدد 20، قاعدة رقم 9، ص25).
- الحجز التحفظي: نصت المادة (389) من قانون المرافعات اليمني: “يجب على من أمر له بالحجز التحفظي في أي حالة بدون حكم أو أمر أداء أن يرفع دعوى بحقه وبصحة الحجز يخاصم فيها المحجوز عليه والمحجوز لديه إن وقع الحجز على ما لديه خلال ثمانية أيام من تاريخ إعلان المدين بالحجز وإلا سقط الحجز واعتبر “كأن لم يكن”.
ويقرر المشرع الفرنسي، في نصوص صريحة، أن عدم احترام الميعاد يترتب عليه، في بعض الأحيان، اعتبار الإجراء أو الحكم “كأن لم يكن”، فمثلاً، الحكم الصادر غيابياً والحكم المعتبر حضورياً لمجرد أنه يقبل الاستئناف، يعتبر “كأن لم يكن” إذا لم يعلن خلال ستة أشهر من تاريخ صدوره، م (2/487) من قانون المرافعات، إلا أن هذا النص لا ينطبق على الأحكام التي لا يستنفد بها القاضي ولايته على النزاع، ولا على الأحكام الصادرة من محكمة النقض.
ويذهب الفقه القانوني إلى أن هذا الجزاء ليس إلا صورة خاصة من سقوط الخصومة ويترتب عليه نفس الآثار، ويؤدي إلى انتهاء الخصومة في الدعوى القائمة أمام المحكمة بغير فصل في موضوعها، والهدف من هذا الجزاء هو دفع المدعي لمتابعة دعواه وتنفيذ ما تأمره المحكمة بدءاً بإعلان صحيفة الدعوى وحضور جلساتها ومباشرة كافة الأمور الإجرائية اللازمة حتى صدور الحكم فيها (أحمد هندي، قانون المرافعات، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية،1995م، ص 355 وما بعدها، محمود محمد هاشم، اعتبار الخصومة كأن لم تكن في قانون المرافعات، بدون طبعه ، بدون دار نشر، 1989م، ص93).
في هذا السياق، يتجلّى تمييز جزاء “كأن لم تكن” عن السقوط بشكل واضح من خلال منظور الثبات القانوني في مواجهة المرونة القضائية، مما يجعله أداةً أكثر انسجاماً مع الواقع العملي والتعقيدات التي تكتنف الدعاوى. فبينما يُعتبر السقوط جزاءً آلياً يقع حتماً وبقوة القانون لمجرد إخلال الخصم بالميعاد الإجرائي أو ترتيب الإجراء المطلوب– دون الاعتداد بوقوع ضرر أو لا، ودون النظر إلى ما إذا كان التقصير صادراً عن الخصم نفسه أو ممثله، يأتي “كأن لم تكن” ليمثل صورة “السقوط المرن” الذي يجمع بين الحالتين، فهو تارةً يقع آلياً بقوة القانون عندما تكون المخالفة جسيمة، وتارةً أخرى يترك أمر إيقاعه لتقدير المحكمة، وفقاً لظروف الدعوى وملابساتها قبل أن تحكم به. وهذا التدرج من الإلزام المطلق نحو التقدير المرن هو ما يمنح هذا الجزاء خصوصيته وقدرته على تحقيق التوازن بين سلطة القانون وعدالة الواقع.
تجسيداً لهذه الثنائية بين المرونة والإلزام في تطبيق جزاء “كأن لم تكن”، يمكن الاستشهاد بموقف المشرع اليمني المقارن في المادة (162) من قانون المرافعات، والتي تمنح القاضي سلطة تقديرية في تقرير مدى ملاءمة إيقاع هذا الجزاء عند تجاوز مدة الوقف الجزائي دون قيام المدعي بتنفيذ ما أُمر به أو المبادرة بالسير في الخصومة. وهنا يكرس المشرع اليمني مبدأ المرونة التقديرية بشكل صريح.
على النقيض من ذلك، يتخذ المشرع المصري نهجاً أكثر تشدداً في المادة (99) من قانون المرافعات المصري، حيث يمنح المحكمة حرية اختيار بين جزاءي الغرامة أو الوقف الجزائي (لأقصى شهر) بعد سماع أقوال المدعى عليه، مقروناً بميعاد إضافي (ثلاثين يوماً)؛ فإذا انقضت مدة الوقف والميعاد الإضافي دون سير أو القيام بما أمرت به المحكمة، اعتبرت الخصومة كأن لم تكن بقوة القانون. فالمشرع المصري كرس مبدأ الثبات لجزاء ” كان لم تكن” كوسيلة للردع والحث معاً، محققاً أهدافاً متعددة كالحفاظ على هيبة القضاء ومنع التعطيل، فكان إيقاع الجزاء على سبيل الوجوب لا التخيير.
وفي الختام، يمكن القول إن جزاء “كأن لم تكن” في قانون المرافعات لا يمكن اختزاله في تصنيف أحادي جامد. إذ أن هذا الجزاء لا يمثل مجرد صورة متطورة من السقوط، بل هو أداة إجرائية مستقلة، يجسد حكمة تشريعية فريدة في تحقيق التوازن بين مبدأين أساسيين: ضرورة احترام الشكلية الإجرائية لضمان انتظام سير العدالة، ومراعاة ظروف كل دعوى لتحقيق العدالة الجوهرية.
وتجلّى هذا التوازن من خلال الطبيعة المزدوجة للجزاء، التي تجعله يتراوح بين كونه جزاءً إلزامياً يقع بقوة القانون في حالات الإخلال الجسيم بالنظام الإجرائي، وكونه جزاءً تقديرياً مرناً يخضع لسلطة المحكمة في حالات أخرى تسمح بموازنة الظروف.
وعليه، فإن الفهم الدقيق لهذا الجزاء والتمييز الواضح بين أحواله المختلفة- الإلزامية والتقديرية- يساعد على تطبيق القانون برؤية أكثر اكتمالاً، تحقق الغاية من وراء الجزاء الإجرائي، وهي ضمان حسن سير العدالة.
![]()
