رقمنة القضاء قفزة لا رجعة عنها
رقمنة القضاء قفزة لا رجعة عنها
حمود أحمد مثنى
لم تعد مسيرة تحديث القضاء ورقمنته خيارًا مؤجلًا، بل أصبحت ضرورة حتمية لتخليص المتقاضين من أعباء ثقيلة ظلّت ترهقهم لعقود بسبب ممارسات بعض ضعفاء الضمائر الذين حوّلوا قاعات المحاكم إلى ساحات استنزاف، يطيلون أمد القضايا عمدًا لامتصاص جيوب المواطنين وزيادة أرباحهم بلا رادع من ضمير ولا خشية من الله.
ومع كل خطوة إصلاحية، تطفو على السطح أصوات مشككة تحاول تصوير الرقمنة وكأنها عبء جديد على المواطن. وآخر تلك الادعاءات ما رُوّج مؤخرًا عن رسوم إضافية غير قانونية مرتبطة برابط الدعوى الإلكترونية. غير أن الحقائق أوضح من أن تُطمس، فما جرى تحصيله لا يتجاوز مبالغ رمزية أقل من ألفي ريال مقابل خدمات عملية مثل رسائل التذكير بمواعيد الجلسات، والإشعارات القضائية وتوثيق سير الجلسات إلكترونيًا. رسوم تُدفع مرة واحدة فقط، بينما تظل الخدمات مستمرة طوال فترة القضية.
المفارقة أن من يضخّمون هذه المبالغ يغضّون الطرف عن الأتعاب التي يتقاضونها من موكليهم، والتي قد تتجاوز عشرة آلاف ريال في جلسة واحدة، بينما تمتد القضايا أحيانًا إلى خمسين أو مئة جلسة بسبب غياب الرقابة الإلكترونية سابقًا.
اليوم.. ومع النظام الجديد، لم يعد التلاعب ممكنًا أو على الأقل ليس كما كان، فكل جلسة موثّقة وكل تأخير مرصود، لتتحول العدالة من مجال مفتوح للعبث إلى منظومة شفافة لا تترك ثغرة للمماطلة.
إن النظام القضائي الإلكتروني ليس بابًا للجباية كما يروّج المعرقلون وإنما جدار صلب في وجه الفساد ووسيلة لتعزيز الشفافية وتوثيق القضايا لحظة بلحظة، وتمكين الجهات الرقابية من متابعة الأداء سواء كان المتأخر موظفًا أو قاضيًا أو حتى محاميًا. إنها نقلة نوعية لا رجعة عنها لأنها تصب أولًا وأخيرًا في مصلحة المواطن الذي يستحق عدالة أسرع وأوفر وأكثر إنصافًا.
نحن نشيد بهذه الخطوات الجريئة التي تضع القضاء اليمني على طريق المنافسة مع المؤسسات القضائية في المنطقة، وندعو إلى المضي قدمًا في استثمار التكنولوجيا المقننة والمنضبطة. فالقضاء الذي نطمح إليه ليس قضاءً مثقلاً بالمماطلات وإنما قضاءً عصريًا سريعًا وشفافًا يقطع الطريق على المستفيدين من الفوضى ويعيد الثقة للمواطن بأن العدالة لا تُشترى ولا تُماطل.
![]()

